معلومات عامة
 
المعلوماتية في البلدان النامية – تكنولوجيا لم نشارك في بنائها
تحولت إلى هيمنة واحتلال بطريقة جديدة
 
الدكتور المهندس فواز حسن  
 
( ليس المقصود من هذه الكلمات التهويل على أحد أو إعطاء صورة مقلوبة أو مشوهة عن ما يمكن أن تفعله تكنولوجيا المعلومات في تطوير بلد ما لكن يجب أن لا نبقى ضيوفا على موائد العلم والمعرفة فيلفظنا التاريخ إلى حدود الهامش المهمل ونقع أسرى بيد من لا نريد وتتحول النعمة نقمة واني أرى في بعض دول العالم ما آلت إليه الأمور )
 www.tartoos.com
التغيير سنة الوجود والكون قائم على التغير والحركة، وإذا كان الإنسان جزءاً من هذا الكون فان التغيير يشكل جوهر حركته ومسيرته في الحياة، إذ أن فعل الإنسان بحد ذاته منبثق من الدواعي الذاتية لوجوده، فهو يفكر ويبدع ويبتكر ليغير واقعه ويضيف الأحسن لحياته المعنوية والمادية بالاتجاه التصاعدي نحو التكامل .
( المنطلق من القول الحكمة للقائد الخالد حافظ الأسد بأن الإنسان هدف الحياة ومنطلق الحياة ....) .www.tartoos.com
 فالإنسان ينتج التغيير وينفعل مع التغيير القادم إليه من الخارج، لأنه بطبيعته التكوينية كائن متحرك يسعى للكمال عبر حياة تصاعدية وتعددية مبنية على التنافس الفعال من اجل سبق الآخرين والتفوق عليهم، فروح التغيير موجودة في أعماق التشكل البشري وانه سنة اجتماعية لا يمكن إلغاؤها .
إن حقيقة قيام الأمم وقدرتها على النهوض يعتمد أساسا على مدى قدرتها على إيجاد التغييرات اللازمة لتطوير حركتها التصاعدية، وعلى نوعية استجابتها للتغييرات الخارجية التي تهب عليها من جهات أخرى، لذلك فان الأمم التي لا تستجيب للتغيير تحكم على نفسها بالموت، فانحطاط اغلب الحضارات وانقراضها يبدأ عندما تعجز عن فهم بأنه يجب أن تغير من واقعها استجابة للمستجدات التي واكبت الحركة البشرية المتصاعدة. وفي هذا الصدد يقول أحدهم " بان المجتمع الراكد هو الذي يقف في مكانه بدون تجديد حيث يركد كل شيء ويسير الزمان ببطء وتخلو الحياة من التجدد، أما المجتمع المتصاعد فلابد أن يكون التصاعد من ذاته......... "www.tartoos.com
وهذا هو اخطر التحديات التي تواجه الأمم الساكنة التي لا تستجيب لأعاصير التغيير الواردة عليها لتصبح مفتوحة يهب عليها الدمار فيجتثها من أسسها فتفقد هويتها وروحها ويشكل منها مزيج من لوحة سوريالية غامضة لا يفهمها حتى من رسمها، وهذا ما هو حاصل اليوم، حيث أصبحت أبوابنا مشرعة للأعاصير العاصفة علينا فاخترقت ثقافتنا وأجيالنا وأصالتنا لنصبح مجرد هامش ضحل نقتات فيه من أفكار الآخرين ونعيش على أمجاد انتصاراتهم ونصفق لابتكاراتهم.
وإذا كانت بداية القرن العشرين هي نقطة انهيار الأمة الساكنة والراكدة والعاجزة عن التغيير عندما بدأت تتشبث بأذيال الغرب وتتشبه بأبطالهم ومفكريهم فان هذا التغيير لم يحدث إلا على مستوى محدود شمل بعض النخب والمجاميع حيث أوجد بعض التيارات الفكرية المقلدة في جوهرها والمتقدمة في ظاهرها.www.tartoos.com
 وبالطبع فان مقدار التشكل المعوج الذي أصاب أبنيتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية اعتمد على مستوى قوة أعاصير التغيير الخارجية العاصفة بنا ومدى شموليتها التي كانت محدودة في بدايتها، ولكن مع مرور الزمن أخذت التحديات تزداد خطورة مع حصول التغييرات الكبيرة التي هزت العالم و أحدثت تغييرات هائلة مادية وفكرية واقتصادية وبالخصوص الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي فتحت أبواب العالم وأوصلت آثارها حتى أقصى نقطة في الأرض، فلم يعد هناك عاصفة محدودة بل هو إعصار هائل أذاق كل العالم من وباله.www.tartoos.com
فلم يحدث تغيير كبير في البنية الحركية والتطورية للعالم مثلما يحدث اليوم، فالآلاف الستة من السنوات التي تشكل التاريخ المدون للبشرية لا تمثل سوى العُشر الأخير من الثانية، وقد احتاج الإنسان إلى 1750 عاما لمضاعفة معارفه التكنولوجية وهي مرحلة تمثل الثلث الأخير في هذا العُشر من الثانية، بعدها أخذت القفزات تتسارع ففي 150 عاما تضاعفت مرة أخرى علوم البشر ثم مرة أخرى خلال خمسين عاما، هذه الخبرة البشرية تضاعفت مرة خامسة بين عامي 1960-1980 مما يعني أن ما كان يقتضي آلاف السنين من التطور يتم خلال عقد واحد وربما اقل في المستقبل كأننا أشبه بركاب قطار زمني يخترق التطور اختراقا وكلما ازداد توغلا في المستقبل ازدادت سرعة اختراقه. هذا الطوفان الهائل الذي اقبل بفوضى من المعلومات أحدث تغييرات كبيرة في الثقافة والنفسية البشرية وخلف تراكمات ثقيلة يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الانحطاط الأخلاقي والتفكك المعنوي، ذلك أن ابسط المعلومات تشير إلى أن مورد المعلومات سوف يتزايد عام 2005 أربعة أضعاف سرعة تزايد السكان وهاهو جيلنا يبدو وكأنه حشر بكامله بين عصرين وأسلوبين للحياة واحد قديم وآخر جديد، انه تغيير سريع مذهل وكلي. كل هذا يحدث في المجال المادي حيث تطورت الحياة المادية للبشرية وازدادت رفاهيتها أما الحياة المعنوية فعلى العكس من ذلك ازدادت الروح بؤسا بازدياد الانحطاط الروحي والتفسخ الأخلاقي وهذا هو أسوأ ما رافق الحضارة المادية، لان أي تطور لايمكن أن يكون مثمرا ما لم يصاحبه تغيير ثقافي وفكري ونفسي مدروس وعقلاني ضمن حركة اختيارية واعية. أما التغيير الذي يفرضه التطور المادي دون وجود اختيار واعي فهو التغيير الذي سوف يبني تشكيلة فوضوية للفرد والمجتمع كالتغيير الذي يحدث في أبناء الريف عندما يسكنون المدن. ويرى علماء الاجتماع أن التقدم المادي يجب أن يساوقه تغيير معنوي لان عناصر الثقافة تتغير بنسب متفاوتة فالعناصر المادية في التراث الثقافي تتغير بسرعة اكبر من العناصر المعنوية لذلك كان على المتغير المتابع وهو الجوانب المعنوية أن تتغير بنفس السرعة حتى لا يحدث تخلف ثقافي ويطلق على فترة التخلف هذه اسم التكيف المتأخر أو سوء التكيف ويترتب عليها في الغالب حدوث اضطراب في العلاقات الاجتماعية أو انحلال اجتماعي. www.tartoos.com
إن اخطر التحديات التي تواجهنا هي أن الثورة المعلوماتية التي تخترق أساسياتنا وتحدث تغييرات هائلة في حياتنا يمكن أن تخلف فينا آثارا سلبية كبيرة تعصف بحياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية لأنها تحدث تحولات مادية هائلة في كل نواحي الحياة اليومية مع عجز واضح عن الاستيعاب الواعي لحركتها الاندفاعية.www.tartoos.com
 وإذا كان الغرب هو الذي أبدع هذه الثورة الحديثة فإنه يلهث وراءها حتى لا تستبقه كالمارد الذي أطلق من سجنه ولا يمكن التحكم به، هذا الغرب المتطور في بعض جوانبه قد ساوق التطور المادي خطوة بخطوة منذ بواكير النهضة الصناعية الأولى عبر تطوير كيانه في بعض الجوانب الفكرية والإدارية والثقافية وان كان اخطر ما فيه الجشع الاقتصادي الذي ينتزع منه كل نوازع الخير والأخلاق. أما نحن فمجرد أدوات مستهلكة نعيش على هامش التحولات الحقيقية نستقبل سلبياتها ونستدبر إيجابيتها. لذلك لابد من معرفة سلبيات المعلوماتية وآثارها الضارة حتى نستطيع التحكم بمسارها في حياتنا بوعي ودراسة.
بعض الآثار السلبية للمعلوماتيةwww.tartoos.com
تتنوع الآثار السلبية للثورة المعلوماتية بتنوع أدواتها واختلاف أهدافها ولكنها تسير كلها في إطار واحد وهو تأسيس بناء حضاري زائف يعتمد على وجود المظاهر والقشور مع إفراغ الجوهر الحقيقي للإنسان روحا وعقلا وأخلاقا. فمن هذه السلبيات:
تزييف الواقعwww.tartoos.com
من المفترض أن يكون دور المعلومات هو إيصالها للفرد لتنمية معارفه وتطوير حياته تطورا متناسقا ومتكاملا لكن ما يحدث في ضمن هذه الظاهرة أن المعلوماتية تحولت إلى سوق تجاري يهدف إلى بيع اللهو والمتعة والرفاهية والفساد للناس وان كان ذلك يؤدي إلى تزييف الواقع وجعل الوهم واقعا ورسم عالم خيالي يخوض فيه الناس أحلامهم ومتعهم وهم ينتشون بمتعة التخدير والهروب من الواقع. ومع انتشار ما يسمى بالواقع الافتراضي Virtual Reality أي واقع هو من صنع الخيال ولا أساس لوجوده في الواقع الحقيقي فبوسع المنتفعين بهذه الثورة أن يتلاعبوا مع الصور وبالتالي مع الحقائق وان يصطنعوا صورا للواقع لاوجود لها مما يمكنهم التلاعب بمقدرات عالم المهمشين الأميين الملفوظين من عالم ثورة المعلومات. وعندما يتحول العلم إلى مجرد سوق يهدف إلى الربح فقط فانه يصبح خطرا على البشر لأنه يستخدم العلم لتضليل العلم بأي صورة كانت، إذ تهدف طبقة الواحد بالمائة من سكان العالم التي تمسك بمقاليد الأموال والإعلام إلى تسويق وبيع كل شيء بدءا من السلع ومرورا بالأشخاص وانتهاءً بالأفكار، إنها تخلق المفاهيم وترسم الصور وتسمى صانعة التماثيل والصور، ويجري بيع أشباه المنتجات وليس المنتجات الحقيقية للناس وصورا للأفكار والتشريعات وليس التشريعات الحقيقية منها وكذلك أشباه السياسيين وليس الأشخاص الحقيقيين لهؤلاء السياسيين. وهم لم يتوقفوا عند تسويق المتعة واللذة بل دخلوا إلى أفكار ونفوس البشر لخلق أوهام وقيم تتناسب ومنافعهم، فالخطر الكامن في العولمة هو في قوة وسائلها وتأثيرها في الأجيال الناشئة منذ نعومة أظفارهم واعتمادهم على أقوى طرق التأثير الفنية في الحركة والصوت والصورة لدرجة حولت أبطال الأفلام الأمريكية ولاعبي الكرة والتنس وعارضات الأزياء إلى رموز وأبطال الجيل الناشئ الذين اعتبروا هذه المظاهر هي الحضارة والتطور وطريق النجاح. www.tartoos.com
وبهذا يرسم لنا تجار المعلوماتية الواقع الوهمي الذي يسير عليه أبناءنا وينهلون من نبعه الفاسد أفكارهم وقيمهم الأخلاقية والسلوكية فهل تستطيع الأمة يوما ما في القريب أن تمتلك أصالتها وتؤسس نهضتها أم أنها ستصبح مجرد جزء من ذلك القطيع الالكتروني الذي يدجنه ملوك الغرب..؟! لا شك أن هذا يعتمد على مدى وعينا وفهمنا للمتغيرات القادمة علينا.
 www.tartoos.com
دكتاتورية جديدة واستبداد معلوماتي
مع تزايد وتيرة نمو المعلوماتية وتقدم أدواتها التكنولوجية يعتقد البعض أن العالم سيصبح اكثر ديمقراطية وان الاستبداد في طريقه للانحسار، وهذا ما يبشرون به من أحلام العولمة والاندماج العالمي. ولكن ما تفرزه العولمة من سلبيات وما تشكله من مظاهر يتجه الاعتقاد الأساسي إلى إن المعلوماتية ما هي إلا وسيلة لترسيخ الاستبداد والدكتاتورية ولكن على نحو عالمي وشمولي يقضي على أشكال التنوع والتعدد واستحالة المنافسة مع بقاء التنافس منحصرا في يد قلة قليلة من ملوك المال والإعلام والمعلومات. www.tartoos.com
 وتشير الأرقام إلى أن اندماج الشركات الكبرى وتكتلها يزداد يوما بعد يوم إلى الاحتكار المطلق للإعلام والمعلومات حيث بدأ عدد الشركات المسيطرة على الإعلام في الولايات المتحدة بالانكماش من 50 شركة عام 1984 إلى 26 شركة 1987 ثم إلى 23 شركة 1990، وواصل تراجعه إلى حوالي 20 شركة عام 1993 وما إن حلت سنة 1996 حتى استقر العدد على عشر شركات منها: تايم وارنر، ديزني، جنرال الكتريك... وهذا يقودنا إلى الاستنتاج إلى أن العالم يتجه إلى مزيد من السيطرة المطلقة للأقلية المستبدة التي تتحكم بقرارات العالم الإعلامية والسياسية والاقتصادية حيث تتحكم بمصادر المعلومات من إنتاجها وصناعتها وتسويقها، فسواء رجع حرمان الجماهير من حقها المشروع في التعامل مع صناع القرار إلى الاستبداد بالحكم أو الأساليب الملتوية للبيروقراطية أو نتيجة للتعقيد التكنولوجي فان الانحسار الناتج في العملية الديمقراطية واحد وهو حرمان الناس من اخذ القرار وتزايد القيود بشكل متزايد. لقد وصل تحكم ملوك المعلومات في سياسات العالم إلى حد صناعة الحروب وإسقاط الحكومات ونشر الفوضى في العالم وما نراه اليوم في العراق مثال واضح . www.tartoos.com
إن المعلوماتية هي وسيلة بيد استعمار السوق للهيمنة على الثقافة وتصنيع الإيديولوجيا التي باتت تحملها نخبة كونية متجانسة تسعى إلى تنميط العادات والثقافات وطرائق العيش على نمط واحد تختزل الحريات إلى حرية التعبير التجاري وحقوق المواطن إلى حق التمتع بسيادة المستهلك وتعميم التوهم بان الوضع القائم هو سقف التطلع الإنساني ولم يعد هناك سوى خيار الرأسمالية القائمة. www.tartoos.com
قد لا تكون هناك دكتاتورية واضحة في البين ولكن يوما بعد يوم تتضاءل خيارات الفرد في الاختيار ويصبح عليه السير في اتجاه واحد فرضته عليه القوانين التي وضعها ملوك المعلومات في إطار لعبتهم الإلكترونية باعتبارهم يحتكرون كل وسائل إنتاجها ومواردها، وتحكمهم في بناء نظام القيم والتفكير التي ترسم سلوك الفرد وشخصيته، فما يحتكرونه ليس البيانات نفسها بل أسلوب التفكير المعتمد والمقرر والمكرس رسميا أي تعريف أي شيء يكون معقولا أو مقبولا.
وإذا كان الهدف من كل ذلك هو اقتصادي فان تبريراتهم تتجه لتكثير الزبائن المستهلكين لمنتجاتهم وتحقق ذلك لهم عبر امتلاك واحتكار أدوات الثقافة والإعلام فحكموا سيطرتهم على كل نواحي الحياة ومسخوا العقول وغسلوها بقيمهم المادية التي تعتمد على السلوك الإباحي المطلق واللذة المنفتحة دون وضع أي اعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، وهذه الأحادية التي يفرضونها بوسائلهم القمعية غير المباشرة تسحق الثقافات الأخرى وترفض التعددية فهي تعاقب كل من لا يخضع لقوانين السوق حتى لو أنتجت فقرا وبطالة وهوة ساحقة بين الطبقات، وما كان يسمى بالأنظمة التوتاليتارية ذات الحزب الواحد حل محلها اقتصاد توتاليتاري في عصر العولمة المرتكز على فكر أحادى.
ويرى أحدهم  " إن عولمة الإعلام هي التركيز في ملكية وسائل الإعلام الدولية وانخفاض التنوع والمعلومات مقابل الزيادة في التوجه للمعلن، فالعولمة هي التوسع في التعدي على القوميات من خلال شركات عملاقة شاملة ومستبدة يحركها أولا الاهتمام بالربح وتشكيل الجمهور وفق نمط خاص لا يدخل الساحة السياسية ويزعج أو يهدد نظام القوى أو السيطرة في المجتمع ". www.tartoos.com
من المفترض أن تساهم الثورة المعلوماتية في بناء الفكر الإنساني وتطوره الحضاري العام ولكن اتخاذها اتجاها سلبيا في تحقيق مآربها وضع هذه الثورة في طريق تهديد الوجود الإنساني الحقيقي وتحوله إلى مجرد وجود هامشي يعيش فارغا لا يفكر ولا يقرر ولا يشارك ولا يتعاون، انه مجرد حيوان يأكل ويشرب ويلبس ما توجه نحوه وسائل المعلوماتية. كل هذا لاشك انه سيقود إلى ترسيخ حالات ضحالة الفكر وتسفيه العقل وسلوك التفاهات في عالم سوف تزداد فيه الفوضى والعنف والفساد بعد زمن قد لا يرى فيه العالم القيم الأخلاقية لمدة طويلة. ويقول ريتشارد نيكسون في التعبير عن ذلك بشكل آخر: من السمات الأساسية لأسلوبنا في الحياة إيماننا بأنه عندما يعمد الحكام إلى الاستئثار المنظم بالمعلومات التي هي حق خالص لجمهور الشعب فان أفراد الشعب سرعان ما يصبحون في وضع يجهلون معه كل ما يتعلق بشؤونهم الخاصة كما سيفقدون الثقة في هؤلاء الذين يسيرون أمورهم وسيفتقرون في نهاية الأمر إلى القدرة على تحديد مصائرهم الخاصة. www.tartoos.com
وكلما زادت فورة المعلوماتية ازداد العالم قربا إلى بعضه ولكنه يزداد عزلة وغربة، وكلما يتصور انه عندما ينال المعلومات الوفيرة يزداد حرية يحس بالاختناق وان القوانين والقيود والعيون الإلكترونية تلاحقه عبر الأقمار الصناعية والهاتف والكومبيوتر حتى اصبح لا يملك أي إحساس بتفرده واستقلاليته الشخصيةwww.tartoos.com
وفي الوقت الذي أزالت فيه الثورة التكنولوجية الجديدة العقبات أمام حرية انتقال المعلومات زادت القيود والعقبات أمام انتقال الأفراد في ظل القوانين المتشددة في مسائل الجنسية واقامة الأجانب وهكذا فإننا نعيش في عالم اكثر تقاربا وتداخلا في تعامله مع البضائع والأموال والمعلومات لكنه اكثر تباعدا عندما يتعلق الأمر بانتقال البشر.
المعلوماتية الرأسماليةwww.tartoos.com
من المظاهر السلبية التي أفرزتها هذه الثورة الجديدة أنها تحولت من أهدافها الحضارية التي تتوجه لتوسيع المعرفة البشرية ورفع الجهل وإيصال المعلومات إلى أقصى نقطة في الأرض، اذ تحولت المعرفة إلى مجرد استثمار تجاري ينتفع منه الرأسماليون لتضخيم أرباحهم مهما كانت الوسائل والنتائج، وحينئذ يمكن أن تتصور كيف يمكن أن تتحول المعلوماتية إلى أدوات استغلال تجاري محض..! يقول رالف سميث مؤلف كتاب الأمة السلكية: إن مؤسساتنا تبدو عاجزة - وقد وجهت بتكنولوجيا جديدة - عن تحقيق أي مفهوم للمصلحة العامة باستثناء إرضاء المصالح الاقتصادية، ويضحى بالمصلحة العامة لكي لا تتعرض المصالح الاقتصادية للفئات المحدودة قوية النفوذ لأي ضرر. ولا تعبر كثرة مصادر الاتصال عن حقيقة تنوع الأفكار والثقافات وبالتالي نشاط العقل الإنساني في إثراء المعرفة البشرية، ذلك أن كل المواد والمنتجات الإعلامية والمعلوماتية مثل المواد الترفيهية والأخبار والتوجهات والأفكار يجري انتقاؤها جميعا من الإطار المرجعي الإعلامي نفسه من جانب حراس للبوابة الإعلامية الذين تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها وقد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي لكن الجوهر واحد. وهذا يعني أن جوهر السوق الرأسمالي يتعارض مع استخدام المعرفة أخلاقيا لأنه اقتصاد فوري يعمل ضمن إطار حسابات الربح والخسارة فيخرج كل الاعتبارات الأخرى من دائرته ويحصر المعرفة بشكل مطلق في حصار منفعته الشخصية. والمعرفة يمكن أن تصبح وسيلة تدميرية هائلة إذا أصبحت تحت السيطرة المطلقة للرأسماليين لأنه توجه حينئذ لتحطيم اقتصاديات الآخرين والحصول على الربح بأي شكل كان، فقد تحولت الرأسمالية (المعلومالية) إلى اقتصاد عالمي قائم على الاستلاب حيث يستولي على ثروات الآخرين من خلال المضاربات والتحريف وهو يدوس ويسحق الاقتصاد الإنتاجي الذي يقوم بتوفير السلع والخدمات وعلى هذا الأساس يمكن وصفه بأنه قائم على السلب والتطفل على الآخرين. ومن هنا فقد تم دمج نفوذ المال والتمويل إلى قوة الوسائل التي أتاحتها التكنولوجيا ووسائل الإعلام لإفراز نظام جديد للرأسمالية (المعلومالية) يكون مسرحه اقتصادا عالميا جديدا يتم تسويق مبادئه غير المقدسة من خلال شعارات تحمل طابع القداسة. ولكن تظهر التناقضات من خلال ممارساتها فحضارة العولمة هي نفسها الرأسمالية (المعلومالية) قائمة على المطامع والجشع وكلاهما غريزتان جاءت كل الأديان والمبادئ الأخلاقية لتحد من الإفراط في ممارستهما ولكن عندما تم الفصل بين الاقتصاد والأخلاق والقيم الإنسانية اصبح العالم الذي يمتلك المعلومالية التكنولوجية القابلة للتفجر، على درجة من الخطورة تزيد عما يمكن للجشعين المضاربين أن يفهموها أو يعترفوا بها. www.tartoos.com
وفي ظل هذه الرأسمالية النهمة يزداد الوضع خطورة إذ تتحول المعرفة إلى أداة تدميرية مهلكة كالتي اخترعت القنابل النووية والنيوترونية والهيدروجينية، وليست القنابل المعلوماتية اقل دمارا منها حيث يمكن الآن توجيه القنابل المالية المعلوماتية نحو أي بلد لتتركه خرابا ودمارا دون إطلاق رصاصة واحدة فأجهزة الكومبيوتر التي تعمل بشكل ذاتي تستطيع في غضون ثوان أن تسحب المليارات من أموال المضاربين العالميين لتترك البلد محطما مدمرا بعد أن تستنزف احتياطاتهم وتطيح بعملته الوطنية وتسبب إخفاقا في تسديد ديونه ليتم إخضاع هذا البلد في النهاية إلى حقيبة إنقاذ صندوق النقد الدولي. www.tartoos.com
 ويمكن حينئذ أن تكتشف إن هذه الرأسمالية المسيطرة على تكنولوجيا المعلومات تسيطر على نواحي حياتك من جميع الجهات أليست هي التي تتحكم بأسعار النفط صعودا وهبوطا وهي التي أنتجت أزمات بورصات الذهب والأسهم والعملات حيث تقوم بتحطيم أي مؤسسة اقتصادية تحاول أن تكون مستقلة عن تبعيتها كما حصل ذلك مع بعض البنوك المالية.www.tartoos.com
فالمعلوماتية تحمل أخطارها ضدنا عندما تسيطر على كل مفردات حركات اقتصادياتنا فنصبح رهائن في قفص ملوك المعرفة والمال ليفرضوا علينا أفكارهم وقيمهم وسياساتهم.
الآثار الفكرية والنفسية والأخلاقية
يمكن القول بان هجوم أسراب المعلوماتية فوق سماء عقولنا وثقافتنا وإلقاءها علينا بكم هائل من المعلومات العثة والسمينة سوف يخلف آثارا سلبية كبيرة في تشكيل الأفكار والأخلاقيات والقيم وتؤسس بناء معرفيا هشا قائما على السطحية والتغرب والتفاهة، ويمكن أن نعدد مظاهر هذه السلبيات هكذا بان المعلوماتية:
تخمة معرفيةwww.tartoos.com
تحتوي على الصالح والطالح وحينها يكون الصالح لا قيمة له حيث يسيطر المضر من هذه التخمة على مقدار المعلومات المنشورة، وتشير الإحصاءات إلى أن المعلومات العامة تتضاعف كل سنتين ونصف السنة مما يعني وجود تراكم معرفي ضاغط يفرز ضغوطا نفسية وعصبية مما يقلل في المقابل من الإنتاجية ومن التركيز، كما يلاحظ أن هذه التخمة اقرب للترفيه والاستغلال التجاري منها إلى المعلومات المفيدة. www.tartoos.com
فقدان النقد والتحليل
كيف يمكن أن يمتلك الفرد الوقت اللازم مع هذه التخمة لنقد المعلومات وتحليلها ووضعها في ميزان التقييم أو معارضتها وقد اجتاحته كطوفان لم يبق فرصة للتشبث أو البقاء، لذلك نرى إن قبول الأفكار الغربية والتسليم بها يزداد يوما بعد يوم حتى اصبح التشبه التغريبي من أهم مظاهر التقدم.
 ومع اضمحلال الحاسة النقدية يصبح الفرد آلة مسيّرة تقوده أدوات المعلوماتية وتوجهه نحو سياساتها واقتصادها ليصبح مجرد زبون مستهلك لما ينتجه الملوك. ويمكن أن نرى كيف سيطرت ثقافة التلفزيون في حياة الناس فتحكمت بحياتهم بشكل مطلق وفرضت عليه شكل التفكير والأكل والشرب والملابس وأسلوب التربية فاصبح التلفزيون منبعا أساسيا للمعرفة وهي معرفة مبسطة يتملكها المشاهد دون أن يبذل أي جهد نقدي ودون أن يعبأ بخلفيات ولا أبعاد الأحداث التي يشاهدها فهو مجرد شاهد على الحدث ليس إلا. www.tartoos.com
وير