|
العلاج الجيني .. خطوات على درب الأمل
قبل عقدين من الزمان، كان يسود اعتقاد بأن العلاج الجيني محض تجارب، غير
مثبتة، وأن توسيع نطاق استخدامه في العلاج، أمر بعيد المنال وقد يحتاج
لعقود طويلة.
موقع
طرطوس
أمّا الآن، فقد أخذت نطاقات العلاج الجيني تتسع، وأصبحت أبرز التطورات
تتمثل في استبدال الجينات المعلولة بأخرى سليمة، أو مجرد تزويد الخلايا
بجينات سليمة.
ويمكن تطبيق هذه المعالجة باستهداف نوعين من الخلايا: التناسلية وخلايا
الجسم الأخرى، غير أن التطبيق على الخلايا التناسلية يتعدّى تأثيره الفرد
لينتقل أيضاً إلى ذريته، لذلك تبقى خلايا الجسم الهدف الأنسب للأبحاث .موقع
طرطوس
لإيجاد تاريخ تطوّر العلاج الجيني – وصولاً إلى النحو الذي هو عليه
الآن – يجب العودة إلى العقد السادس من القرن الماضي حين تمّ تطوير
الخلايا الملائمة لاختبار النظرية القائلة إنه بالإمكان إدخال حمض
DNA
غريب إلى خلايا ثديية، على أن يبقى هذا الحمض في مكانه المطلوب ثابتاً،
وقادراً على دوام تأمين مهّام وراثية جديدة.
وكان ذلك على يد كل من أفري وماك ليود وماكارثي، وفي منتصف الستينيات
العقد وضحت فكرة إمكان نقل المعلومات الوراثية الدخيلة بشكل أكثر فاعلية،
مما مهّد إلى عدّة مقترحات في إطار إمكان إضافة متسلسلات قادرة على حمل
مزايا شفائية، وإدخالها ضمن التركيب الوراثي للفيروسات، إلا أن تلك
الاقتراحات لم تكن كاملة ، ولاسيّما وأن كيفية تعديل الفيروسات لتتمكن من
استقبال وتعبير مورثات غريبة لم تكن قد عرفت بعد ذلك الزمن، ناهيك عن نقص
في إيجاد النظم المناسبة.موقع
طرطوس
بالرغم من كل ذلك، كانت الثورة في المجال التطبيقي لهذه الاختبارات في
ميدان الطبّ حقيقة واقعة في أواخر الستينات، حيث أشار بعض العلماء
المتخصصون في مجالات الوراثة والكيمياء الحيوية أن علم هندسة الوراثة
بإمكانه أن يقدّم حلولاً في مجال مكافحة الأمراض، بل بإمكانه أيضاً أن
يوجد طرقاً علاجية جديدة.
موقع طرطوس
إن في أوائل السبعينات بدأت ملامح إمكانية استعمال تقنية
DNA المؤتلف بالظهور وذلك لغرضين هما إيجاد الطريق الأمثل لنقل الجينات
وإمكانية استنساخ الجينات المطلوب نقلها بأعداد كبيرة. وكانت جينة بيتا
غلوبين أولى الجينات التي استنسخت وعرفت نظراً لأهميتها وارتباطها بأحد
أهم الأمراض الوراثية البشرية وهو الثلاسيميا .
وبعد مضيّ فترة وجيزة تأكدّت الفكرة القائلة بإمكانية نقل جينة الغلوبين
وجينات أخرى مستنسخة، بل وحتى التركيب الوراثي كله، إلى داخل الثدييات
مخبرباً بشكل فعال، باستخدام طريقة يكون فيها الكالسيوم فوسفات واسطة
النقل.موقع
طرطوس
ولكن تلك التجارب بقيت بعيدة عن إمكان استعمالها في تطبيقات طبية عملية.
ولا تعد هذه التقنيات بالغة الأهمية، إلا لأنها تعتبر أولى الدراسات
البشرية في مجال العلاج الجيني التي توالت خلايا السنوات اللاحقة حتى
العام
1979
حين أعدّ مارتن كلاين وزملاؤه من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس تقريراً
أعلنوا فيه عن تمكنهم من زرع جينة الغلوبين البشرية مخبرياً داخل خلايا
النخاع العظمي باستعمال الكالسيوم فوسفات، ومن ثم زرع هذه الخلايا في
فئران أعدّت خصيصاً للتجربة.
وفاجأت النتيجة الوسط العلمي وذلك لمعرفة العلماء حينها بفشل طريقة
الكالسيوم فوسفات في نقل الجينات بطريقة طبية عملية. ودفع " النجاح"
بمارتن كلاين ورفاقه عام
1980 إلى خطوة أبعد وأخطر تمثلت بغزو خلايا النخاع العظمي مخبرياً بجينات
بيتا غلوبين سليمة ، ومن ثم زرع تلك الخلايا في نخاع امرأتين مريضتين
بالثلاسيميا أخضعتا لهذه التجربة. فكانت النتيجة الفشل الذريع.
موقع طرطوس
وساد الذعر الأوساط العلمية والإدارية والشعبية، وذلك لأن كلاين لن
ينتظر حصوله على موافقة لجنة المراقبة في جامعته على إجراء هذه التجربة.
ونتيجة لذلك، خسر منصبه في الجامعة، وكذلك الكثير من مصادر تمويل أبحاثه،
خاصّة تلك الآتية من المؤسسة الوطنية للصحة في الولايات المتّحدة
الأمريكية. وظهرت فجأة حقيقة مدى تعقيد تطبيق العلاج الوراثي على البشر
من النواحي التقنية والأخلاقية. وكانت الحسنة الوحيدة لتجربة كلاين هي
تحفيز تفاعل العلوم والمعتقدات والسياسات العامّة تجاه العلاج الجيني، إذ
توحدّت المجتمعات العلمية الباحثة في علوم البيولوجيا الجزيئية والطب في
لقاء يعدّ الأوّل من نوعة في مركز بانبوري للمؤتمرات في مختبرات كولد
سبرينغ هاربور في نيويورك في شباط ( فبراير) من عام
.1983
موقع طرطوس
وكان الجوّ السائد في ذلك المؤتمر جوّ تفاؤل حذرا يؤكد على دوام أخذ
الحيطة لتجنب تكرار ما حدث مع كلاين في تجربته .
موقع طرطوس
وبقدوم العام
1981 أصبحت كل المعلومات حول استعمال الفيروسات القهقرية وقدراتها وميزاتها
معروفة ، وذلك بعد استخدام تقنيات حديثة مكنت من بلوغ هذه المرحلة،
وأصبحت كلّ الطرق الأخرى شيئاً من الماضي. وكانت أهمّ ميزة للفيروسات هي
قدراتها التلقائية الهائلة على الانخراط في الخلايا التي تصيبها
،وبالتالي على نقل الجين الذي تحمله إلى تلك الخلايا.
موقع طرطوس
وهكذا تم استعمال فيروسات قهقرية معدّلة قادرة على غزو الخلايا وتسليم
حمولتها من الجينات داخل التركيب الوراثي للخلية لتعمل بشكل طبيعي، مزيلة
بذلك المرض من جذوره.
وقبل نجاح المحاولة ،كان لا بدّ من تحقيق بعض الشروط، كتقبل الخلايا
المريضة للجينات المنتقلة، وضمها داخل نواتها، وضمان بقائها من جهة،
وعملها بشكل طبيعي دون إصابة الخلايا المعالجة بأيّ أذىّ من جهة أخرى،
كما هو الحال عند الكائن الحي بأكمله.موقع
طرطوس
توالت الأبحاث مركزة على دور الفيروسات القهقرية في إمكانية نقل مورثات
مشفرة لأنزيمات بديلة لأخرى ناقصة أو مختلة الوظيفة، وبذلك أفسح المجال
في خلايا قصيرة أمام إيجاد الطرق السليمة لتصحيح أهم مرضين وراثيين بهذه
الوسيلة، وهما مرض نقص المناعة المركّب والمتلازمة المعروفة باسم ليش
نايهان والتي يسببها نقص الأنزيم
.HPRT
أمّا الأبحاث المتعلقة بالعلاج الجيني للثلاسيميا فقد تم إيقافها مؤقتاً
لكونها شديدة التعقيد في تفاعلات الجينات بعضها ببعض في هذا المرض.
لذا انتقلت الأبحاث إلى مرحلة التطبيق على الأمراض الأحادية الجينات –
حيث يكون سبب المرض السلوك غير الطبيعي لجينية رئيسية واحدة فقط – لتكون
عملية تبديل الجينات المختلة سهلة التطبيق .
وهكذا تمت أولى عمليات العلاج الوراثي المصادق عليها في
14
أيلول ( سبتمبر) عام
1990 بغية تصحيح مرض نقص المناعة المركبّ . ولهذا المرض أنواع مختلفة، منها
ما ينشأ بسبب خطأ وراثي في جينة تنتج نقص أنزيم ( أدينوزين نازع) الأمين
الضروري لصنع مركبات الحمض النووي
DNA
ومنها ما ينتج عن طفرة وراثية تؤدي إلى نقص في أحد مستقبلات الإشارات
الكيميائية المعروفة بالسيتوكينات ( والتي تحفز تخلق الخلايا.
وفي كلتا الحالتين تتوقف الخلايا الجذعية عن التخلق ،ويعجز الأطفال
المصابون بهذه الأمراض النادرة من محاربة البكتيريا والفيروسات البسيطة
ويبقون سجناء البيئة المعقمة في حال عدم توفر العلاج الكافي .
موقع طرطوس
والعلاج الطبي الوحيد لهذا المرض هو عملية زرع نخاع عظمي جديد يحتوي
على خلايا جذعية سليمة قادرة على التخلق إلى خلايا الجهاز المناعي. ولكن
هذا العلاج يتوقف على مدى التطابق المناعي بين الطفل المستلم والشخص
المتبرّع بالنخاع. ولهذا يستفيد حوالي
%20 فقط من الأطفال المصابين بمرض نقص المناعة المركّب من هذا العلاج،
ويبقى الباقون بحاجة ماسة إلى وسائل أخرى للعلاج، كالعلاج الجيني .موقع
طرطوس
وتمتّ أولى محاولات العلاج الجيني الرسمية في عام
1990
في مركز الصحة القومي بماريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية حيث أخضعت
طفلة تبلغ الرابعة من عمرها تعاني من المرض للعلاج على مدى عدة سنوات .
موقع طرطوس
واقتضى تطبيق هذا العلاج إدخال الجينة المسؤولة عن إنتاج الأنزيم في
فيروس قهقري معدّل – بمعنى أنه غير فاعل خارج المختبرات وغير قادر على
العيش في ظروف الحياة الطبيعية، أي أنه سيموت بمجرّد ارتفاع الحرارة إلى
المستوى الذي يسمح للكائنات الأخرى بالحياة – وزرع هذا الأخير بعدئذ في
محيط ملائم مع خلايا دفاعية جينية ناشطة موافقة لأنسجة الطفلة.
موقع طرطوس
وبعد توالد تلك الخلايا وإنتاجها لخلايا جديدة تحوي الفيروس، حقنت في
الطفلة المريضة لتستوطن في نخاعها العظمي، وتعطي مكونات الدم المسؤولة عن
المناعة. ولوحظ، بعد التطبيق، تمكن هذه المريضة وطفلة أخرى تبلغ التاسعة
من العمر تلقت العلاج نفسه بعد عام – أن تعيش حياة عادية وأن تذهب إلى
المدرسة وحتى الشهادة عن قضيتها أمام الكونغرس، وذلك بعد انخفاض نسبة
حساسيتها للأمراض المعدية إلى الحدود الطبيعية . ولكن شفاؤها لا يمكن أن
ينسب إلى العلاج الجيني فقط . فقد وضعت الطفلة تحت تجارب سريرية قبل
العلاج الجيني، حيث تم حقنها بالأنزيم الناقص بطرق جديدة وقد أثبت هذا
العلاج قدرة على إعادة بعض خصائص الجهاز المناعي في عدد من المرضى ولم
يستطع الباحثون إيقاف العلاج الإكلينيكي لتقييم نجاح العلاج الجيني.
لأن هذا التصرف اعتبر أخلاقي مما أربك الباحثين لعدم قدرتها على استكشاف
أي العلاجين وصل إلى النتائج الإيجابية .
ففي حالة مرض نقص المناعة المركب بالتحديد، كان من الصعب الوصول إلى عدد
كاف من الخلايا المعالجة بسبب العلاج الإكلينيكي المتزامن مع العلاج
الجيني، فعادة تتكاثر الخلايا الجذعية المعالة جينياً بشكل أفضل من
الخلايا غير المعالجة وبذلك يطغى وجود الخلايا السليمة في النخاع ولكن
حقن المرض بالأنزيم الناقص ساعد الخلايا غير المعالجة على الاستمرار
والتكاثر ومنافسة الخلايا المعالجة.
ومع هذا أعطت التجربة معلومات مهمة، فقد ثبت أنه يمكن نقل الجينات خارج
الجسم إلى عدد كبير من خلايا الدم البيضاء واستطاع العلماء أن يجدوا هذه
الخلايا عند المريض بعد سنوات من العلاج مما يثبت إمكانية العلاج على
المدى الطويل. بالإضافة إلى هذا، تبين للعلماء قلة المخاطر المتعلقة
باستعمال الفيروس كناقل للجينات لعدم قدرته على التكاثر.
ثم أتى دور معالجة وراثية نادرة جدّا تعرف بمتلازمة ( ليش – نايهان)
والتي تظهر على شكل إعاقة عقلية واضطرابات عصبية شديدة تعرف باسم شلل
الارتجاف الدماغي، إضافة إلى ميل لتشويه النفس وبتر الأعضاء، وتم العلاج
باستعمال الفيروسات القهقرية أيضاً. وهكذا وصل العلاج الجيني إلى مرحلة
أثبتت وجوده كحقيقة مقبولة، بانتظار تطوّر التقنيات لتسهيل التطبيق.موقع
طرطوس
خلال العقدين الماضيين، ظهرت مئات من تجارب العلاج الجيني التي استهدفت
أمراضاً وراثية مختلفة ولكن النتائج كانت محبطة. وكان العائق الرئيسي
لهذه التجارب هو صعوبة إدخال الجينات إلى الخلايا، وفي حال تخطي هذه
المرحلة لم تكن أعداد الخلايا المعدلة كافية للشفاء التامّ من المرض.موقع
طرطوس
بالرغم من ذلك، أصبح من المسلم به أن تعديل التكوين البشري على المستوى
الوراثي – ولو لأغراض علاجية – أمر يواجه الكثير من العقبات غير القابلة
للاختراق والناتجة عن السياسات الأخلاقية في دول العالم.
فقد عكست ردّة الفعل التي نتجت بعد فشل تجربة كلاين عدم رضا الرأي العام
على الأمر بتحذيره من نتائج تطبيق مثل هذه التجارب على البشر. إلا أنّ
بعضا من التفاؤل أخذ بالتنامي والانتشار، وذلك بعد أن اتضحت وجهات النظر
حول تطبيقات العلاج الوراثي، وعدم استخدام الخلايا التناسلية واقتصار
التطبيق على الخلايا الجسدية للفرد دون إدخال تعديلات في ذريته.
موقع طرطوس
وطور عدد من العلماء واختصاصيي الأخلاقيات قائمة من الشروط التي توجب
استكمالها قبل بدء الأبحاث لتجنب العواقب، وتتضمن هذه القائمة الشروط
التالية :
تبدأ أبحاث العلاج الجيني على الأمراض الوراثية المعروفة طبيعتها والتي
تنشأ، طفرات في جينة واحدة.
موقع طرطوس
يجب أن تعمل الجنية الجديدة التي تم إيلاجها إلى الخلية بشكل صحيح بالرغم
من وجود الجينة الأساسية المعطوية .
يجب أن تطغى خطورة المرض وعواقبه على المخاطر المترتبة من العلاج الجيني.
أن هذا الأمر قد أدى إلى تحديد تعريف جديد لماهية العلاج الجيني بأنه علم
يبغي تصحيح الأمراض الاستقلابية التي لها علاقة بخلل الأنزيمات . كذلك
أصبح بالإمكان القول أن هذه العملية لا تختلف عن أية عملية زرع لعضو آخر
في جسم الإنسان، والتي لا تتعدّى كونها عملية زرع لخلايا غريبة في الجسم،
وبالتالي لتراث وراثي غريب عنه، مع الملاحظة أنّ عملية الزرع الوراثية
تتم بنقل جينات صحيحة من متبّرع إلى مريض، دون التأثير على مستقبل ذرية
الأخير.
وفي تلك الأثناء قدّم علماء من دول مختلفة بروتوكولات لتجارب علاج جيني
على البشر لمراجعتها من قبل لجان متخصصة في كل دولة وتقييم أساسها العلمي
وتقيدها بأخلاقيات البحث، لتبدأ مرحلة التجارب المنظمة. وتوالت التجارب
لتشمل أمراضاً عديدة كنقص مستقبلات البروتين الشحمي ذي الكثافة المنخفضة،
ونقص مضاد التربسين ألفت واحد، وأمراض تخثر الدمّ ، ومن ضمنها تلك
المتعلقة بالعاملين الثامن والتاسع.
وتطوّرت طرق العلاج الجيني حتى شملت استعمال الفيروسات الغدّية المعدّلة
للاستفادة منها في معالجة مرض التليف الكيسي، حيث استعمل فيروس من هذه
الفصيلة يعرف بتسببه بنوع من أنواع الأنفلونزا وبميله إلى الاستقرار في
الجزء العلوي من الجهاز التنفّسي.موقع
طرطوس
وفي العام
1999 نجحت تجربة علاج جيني في تصحيح نوع من أنواع مرض نقص المناعة المركّب
الذي يظهر بسبب نقص مستقبلات ( السيتوكين) كما ورد في تقرير باحثين من
فرنسا وإيطاليا وبريطانيا . فقد أدخل الباحثون جينة سليمة مشفرة لهذا
المستقبل إلى الخلايا الجذعية التي تفرزه في الحالات العادية وأعيدت
الخلايا المعالجة جينياً إلى النخاع العظمي للمرضى. وفي هذه التجربة
تبينت قدرة الخلايا المعالجة على التكاثر على حساب الخلايا غير المعالجة.موقع
طرطوس
واستطاع أربعة من المرضى الخمس المعالجين استعادة جزء من قدرة الجهاز
المناعي خلال
6
إلى
12
أسبوع من العلاج. ووصلت نسبة الخلايا المعافاة إلى النسبة الموجودة في
الأصحاء خلال
6
إلى
8
أشهر من العلاج . وخلال حوالي
4 سنوات من العلاج تمكن معظم الأطفال من العودة إلى الحياة الطبيعية.
ولكن حلت نكسة أخرى كبيرة بالعلاج الجيني عام
2003
حين ظهر مرض سرطان الدم في أحد المرضى الأربعة المتلقين للعلاج الجيني
لمستقبلات السيتوكين . وتبين أن الفيروس المستعمل في نقل الجينة قد ثبت
جينه الخاص في إحدى الخلايا الجذعية في قسم محدد من الحمض النووي تسبب في
زيادة تعبير البروتينات المنظمة لدورة الحياة في الخلية وتدعى
LMO2
. ونتج عن ازدياد كمية هذا البروتين إلى تكاثر غير منضبط لتلك الخلية أدى
إلى نشوء مرض السرطان.موقع
طرطوس
إن المريض في منتصف العام
2003 استجاب إلى العلاج الكيميائي للسرطان ولكن أكدت هذه التجربة المخاوف
الأولية من استعمال الفيروسات في نقل الجينات. ومع هذا. وبعد مراجعة طرق
العلاج، واستشارة الأخلاقيين وذوي الأطفال المرضى، ما زال التخطيط لتجارب
العلاج الجيني لمرض نقص المناعة المركب قائماً.موقع
طرطوس
والسبب في ذلك بسيط جداً وهو أن الحسنات المرتقبة من هذا العلاج تطعى على
المخاطر.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تطوّرت بعض تجارب العلاج الجيني إلى حد
عدم استعمال الفيروسات على الإطلاق إذا انصبت محاولات بعض العلماء على
تطوير استعمال الجسيمات الدهنية لمحاولة نقل الجينات إلى الخلايا المريضة
مستفيدين من كون هذه الجسيمات مشحونة إيجابياً ما يسهل ضمها للحمض النووي
المعروف بأنه مشحون سلبياً، وبالتالي نقل الجينات إلى داخل الخلايا
المعطوبة في محاولة لإيقاف تطور المرض. وهكذا نجد أن تلك الخطوات الجبارة
في مجال العلاج الجيني أدّت إلى بروز نوع من التنافس بين فرق البحث
والشركات الخاصّة لبلوغ الطريق الأمثل في تطبيق العلاج الجيني بشكل سليم.
وقد أدّى هذا السباق إلى ظهور تطبيقات مدهشة خاصّة في الأبحاث المتعلقة
بالسرطان إذ جرت أبحاث عديدة لاستعمال تقنية الحمض النووي المكشوف لصنع
لقاحات وراثية.
موقع طرطوس
ويقوم هذا الأمر على حقن الـ
DNA
في النسيج المطلوب، ومن ثم يقوم هذا النسيج بإنتاج البروتين المسؤول عن
تجاوب الجهاز المراد تفعيله. وكتطبيق لهذا الأمر نجح فريق من الباحثين في
التوصل إلى علاج جيني مكون من
DNA لمكافحة سرطان القولون عند الفئران.
ويمتاز هذا العلاج الذي نفذ في معهد هوارد هيوز الطبي في ولادية
ميتشيغان بأنه أبسط أنواع العلاج الجيني وأسرعها فاعلية، فبينما يتطلب
العلاج الجيني للسرطان أخذ عينات من الخلايا المناعية للمريض لتحضيرها
وقولبتها وراثياً ضد السرطان ، قبل إعادتها إلى جسم المريض ، فإنّ حقن
الحمض لا يتطلب أيّاً من ذلك. وأثبتت النتائج نجاح الجينة المحقونة في
موقع سرطان القولون في شفاء
%2
من الفئران المصابة بشكل تام وتقليص الأورام السرطانية بصورة جذرية عند
%70
من الفئران الأخرى دون التسبّب بأية أعراض أو مضاعفات في كلتا الحالتين.
وفي أبحاث أخرى ينصب الاهتمام حول تطوير تطبيقات خاصّة بالسرطان، حيث
ينصب كل الاهتمام حول تطوير الوسائل الدفاعية في الجسم تجاه الخلايا
الورمية وإعادة بناء وظيفة التعبير عن كابتات الورم القادرة على تدمير
الخلية السرطانية وإعادة السيطرة على تكاثر الخلايا . وفي الأبحاث التي
بدأت مؤخراً حول مرض نقص المناعة المكتسبة ( الإيدز) ، تم في بعض التجارب
استعمال حمض نووي ريبي مخادع ليتدخل في العمليات المنظمة التي ينفرد بها
فيروس إتش أي في المتسبب بالمرض وبذلك يمنع مجين الفيروس من القيام
بمهامه وتتوقف دورة حياته ما يمنعه من تدمير الخلية المضيفة .
موقع طرطوس
كما يوجد اهتمام أيضاً بتطوير التقنيات التي تحتفظ على استعداد الخلايا
لصدّ أيّ غزو من جانب الفيروس، أو حتّى مجرّد وقف انتشاره من خليّة مصابة
إلى الخلايا السليمة المجاورة لها.موقع
طرطوس
إنه يجلب فهمنا المتنامي للجينوم البشري وللأساس الوراثي للأمراض الوعد
بالتشخيص المبكر لهذه الأمراض والتدخل السليم بحيث يمكن تطوير عمليات نقل
الجينات لتصحيح المحتويات الوراثية المتعلقة بالأمراض المركبة والتي
تتدخّل فيها جينات وعوامل عدّة.موقع
طرطوس
وفي هذه الأثناء هنالك ما يقارب الـ
25 بروتوكولا لنقل الجينات إلى البشر، موزعة على ثلاث قارات، وافقت عليها
المؤسسات المعنية، بعضها على مشارف التطبيق ، والبعض الآخر ما زال في
مراحل مختلفة من التطوّر.موقع
طرطوس
هذا لا يعني إطلاقاً أن الأبحاث وصلت إلى نهاياتها، بل على العكس، فهذه
ليست سوى صورة تمثل بداية التطوّر ،وعلى هذا الأساس يجب توقّع نتائج عدّة
لتلك الأبحاث الأولية . ففي أبحاث الطب الحيوي عامّة، هنالك دائماً خيبات
أمل ممزوجة بالنجاح . فتطبيقات العلاج الوراثي انطلقت بلا عودة إلى
الوراء. وما نحن الآن إلا في بداية تسلقنا لهذا " الجبل" المتوقع أن يكون
شديد الوعورة، غير أننا متأكدون من أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
موقع طرطوس
|
|