|
مكافحة فيروس
الأنفلونزا
قريباً في الأسواق : جيل جديد من الأدوية لمحاربة وباء الأنفلونزا يستهدف
الفيروس مباشرة ويتوقع له أن يشكل وسيلة مبتكرة للوقاية .
دراسة معمقة حول تاريخ هذا المرض ، كيفية انتشاره وأحدث العلاجات ضد
تفشيه .
www.tartoos.com
يطالعنا
من وقت لآخر نوع جديد من الأنفلونزا ، لم يألفه الناس بعد . يظهر فجأة
وينتشر من إنسان لآخر . ولأن الفيروس الجديد قد يكون غير عادي ، قلة من
الناس تكون قد طوّرت ضده مناعة من تعرض سابق له . في هذه الحال ، فإن
اللقاحات المتوفرة تكون غير مجدية ذلك لأن هذه اللقاحات تكون ناشطة فقط
ضد الأنواع التي توقعها خبراء الصحة لفصل الأنفلونزا المقبل وليس ضد
الأنواع غير المعروفة بعد .
www.tartoos.com
في ظل
غياب أي رادع تنتشر الفئة الجديدة بسرعة مسببة المرض والوفاة على صعيد
عالمي من دون أية مقاومة .
ضرب وباء
للأنفلونزا العالم في العام 1918 وفتك بعشرين مليون نسمة في غضون ساعات
بعد انتشار أعراضه الأولى . تبع هذه الكارثة ، التي عرفت بفيروس
الأنفلونزا الأسباني ، أوبئة أخرى في العام 1957 ، أطلق عليها الأنفلونزا
الآسيوية ، تلاها " هونغ كونغ " فلو " في العام 1968 و " الفلو الروسي "
في العام 1977 .
أما
الأسماء فتعكس الإنطباع الشعبي حول المكان الذي انطلق منه الوباء ، مع أن
الإعتقاد يتجه اليوم إلى أن مصدر كل هذه الأوبئة هو الصين .
www.tartoos.com
يحذر
خبراء الصحة العامة من أنّ أي وباء جديد قد يطرأ في أي وقت ولن يكون أقلّ
خطورة وفتكاً من الفيروس الذي انتشر في العام 1918
ففي
العام 1997 ، عندما أصيب 18 شخصاً في هونغ كونغ بسلسلة جديدة من
الأنفلونزا قضت على ستة منهم ، خشي المسؤولون من أن تكون الموجة المتوقعة
قد بدأت . لكن السلطات الطبية نجحت في احتواء المشكلة بسرعة ، إذ تمكنت
من كشف مصدر التلوث – الدجاج والبط والأوز – فعمدت إلى إتلاف كل الدواجن
في هونغ كونغ .
في المرة
المقبلة ، قد لا يكون الجنس البشري محظوظاً . فإن قدّر لفيروس مماثل لفئة
هونغ كونغ من الظهور في عالمنا المكتظ ، لا شك أن ما لا يقل عن 30 في
المئة من سكان الأرض سيلقون حتفهم ( سواء من الإصابة المباشرة أو من
العدوى البكتيرية الثانوية المرافقة ) قبل أن يتوفر أي لقاح يحمي هؤلاء
الذين نجحوا في عدم التقاط العدوى .
www.tartoos.com
حيث
تحتاج اللقاحات ستة أشهر لإنتاجها ولاختبار أمانها وتوزيعها وهي مدة
طويلة جداً لمواجهة وباء سريع الإنتشار .
www.tartoos.com
ومع ذلك فالآمال كبيرة ، في
حال لم يطرأ أي وباء قبل مرور العامين المقبلين ، حول التوصل إلى وسائل
جديدة للحدّ من خطورة الأنفلونزا . ومن المتوقع في نهاية العام الحالي أن
تنتهي التجارب السريرية الواسعة النطاق على عقارين جديدين ، على أن تتم
الموافقة في ما بعد على إنزالها إلى الأسواق ، " كصواريخ فعّالة " في حرب
الإنسان ضد الأنفلونزا . ويبدو هذان العقاران ال
Zanamivir
المعروف تجارياً تحت إسم
Relenza وال
GS4104
واعدان جداً في الوقاية من العدوى أولاً وتخفيف حدة الأعراض عند الأشخاص
المصابين .
www.tartoos.com
يستهدف هذا الجيل الجديد من
الأدوية فيروس الأنفلونزا مباشرة ، على عكس اللقاحات التي تعمل على تنشيط
النظام المناعي لمنع الفيروس من التوسع وعلى عكس الأدوية النوعية الأخرى
التي لا تخفف الأعراض من دون التأثير على الفيروس نفسه . وهو يقضي على
أنزيم أساسي في الفيروس ، وهو أنزم ال
Neuraminidase
فلا يسمح بالتالي للفيروس بالتكاثر في الجسم . مازال العديد من المضادات
الأخرى لهذا الأنزيم قيد التجربة والدراسات الممحّصة .
www.tartoos.com
كما هو معلوم لدى الجميع فإن
الأدوية المتوفرة الآن ضد الأنفلونزا من فئة ال
Amantadine
وال Rimantadine
تعمل وفق آلية مختلفة وتترافق مع أعراض جدية تصيب الجهاز العصبي ، ناهيك
عن أنها غير فعّالة ضد نوع رئيسي من أنواع الأنفلونزا هو النوع
B
الذي يصيب الآدميين . أضف إلى أن بعض فيروسات الأنفلونزا تستطيع بسهولة
تكوين مقاومة ضد هذه الأدوية . لذا فإن الأفراد الذين يتلقون العلاج بهذه
الأدوية في المراحل الأولى من انتشار الوباء قد ينقلون إلى الآخرين
نموذجاً جديداً من الفيروس الذي لا يتجاوب مع هذه العقاقير .
www.tartoos.com
أما قصة ابتكار الأدوية
الجديدة فهي عن حق مزيج من المصادفة الرائعة بين المنطق والحظ . وقد كان
للإنجاز الأهم في فك رموز أنزيم ال
Neuraminidase
وتحديد بنيته الثلاثية الأبعاد في العام 1983 ، المساهمة الكبيرة في
تصميم هذه الأدوية . كما مكنت سلسلة من الإكتشافات السابقة العلماء في
التحقق من أن جزءاً من هذا الأنزيم يتواجد في كل سلاسل فيروس الأنفلونزا
، مشكلاً بذلك ثغرة استطاع العلماء اختراقها واستثمارها لصالحهم .
www.tartoos.com
كيفية عمل فيروس الأنفلونزا
www.tartoos.com
كشفت
الأبحاث الخصائص الرئيسية لفيروسات الأنفلونزا واستراتيجيتها للبقاء .
ولطالما عرف أخصائيو علم الأحياء أن الفيروسات هي بصورة جوهرية جينات
تتخذ من البروتينات مساكن لها إما بهدف حماية الجينة أو بغية تمكينها من
التكاثر داخل الأجسام العضوية .
www.tartoos.com
في بعض
الأحيان ، كما هو الحال بالنسبة للأنفلونزا تغلف الجينات نفسها بمكونات
إضافية من الغشاء الدهني فتستهدف خلايا معينة تتكاثر داخلها ، ثم تنطلق
منها لإصابة خلايا أخرى . عوارض المرض تظهر عادة إثر عاملين أساسيين بسبب
الضرر الذي يحدثه الإنتشار الفيروسي في الخلايا السليمة ، ومحاولات جهاز
المناعة لاحتواء العدوى ، فيظهر هذا الجهد على شكل التهاب وألم وحمى .
www.tartoos.com
تمتلك فيروسات الأنفلونزا
التي تهاجم الكائنات البشرية شهية خاصة تجاه الخلايا الظهارية
Epithelial
التي تشكل جدران أعضاء الجهاز التنفسي . وتؤدي العدوى بعد يوم أو يومين
إلى الأعراض التلقيدية المعروفة من الرشح والسعال والصداع والحمى
والإرهاق وأدوار البرد أو القشعريرة وفقدان الشهية إلى الطعام .
www.tartoos.com
وتشير
جميع هذه المواصفات إلى أن وباء الأنفلونزا يصيب سكان العالم منذ ما قبل
القرن الخامس قبل الميلاد .
www.tartoos.com
ففي العام 1933 ، توصل
العلماء إلى عزل مجموعة نقية من فيروس الأنفلونزا من جسم الإنسان . ومنذ
ذلك الحين علموا أن ثمة نوعان رئيسيان من فيروسات الأنفلونزا :
A
و
B
يختلفان عن بعضهما في بعض البروتينات الداخلية . والنوع الثالث الذي
اكتشفوه وهو فئة C
لا يشكّل برأيهم حالات جدية .
بعد ذلك صنف الخبراء في علم
الجراثيم الفئة A
ضمن فئات ثانوية بحسب التبدلات التي تطرأ في فيروس الفئة
A
في إثنين من البروتينات التي تظهر على سطح الفيروس بشكل نتوءات أو شعب
وهما :
www.tartoos.com
الأيماغلوتينين
Hemagglutinin
والنورامينيداز
Neuraminidase (
الأنزيم المستهدف من قبل الأدوية الحديثة ) . أما البروتينات المتبقية في
الفيروس فهي بمعظمها من الحوامض الأمينية . لهذين الأنزيمين المذكورين
تركيبة خاصة متطابقة في كل أنواع الفئة
A
ولكنها تختلف بعض الشيء بمركباتها من الحوامض
الأمينية . وقد تم تحديد 15 نوعاً ثانوياً من ال
Hemagglutinin
و 9 أنواع من
Neuramindase
في فئة الأنفلونزا A
وعرفت الأنواع الثانوية بحسب النماذج بينها . على سبيل المثالH2,
N1, H1, N1, H1, N2, H2N2
.
أما فيروسات الأنفلونزا من
الفئة B
فهي أكثر تطابقاً وتحمل نوعاً واحداً من الأنزيمين على رغم وجود بعض
الفروقات الطفيفة في حوامضهما الأمينية من فئة
B
لأخرى التي تشهد أحياناً تفاوتاً ضئيلاً من موجة
لأخرى .
www.tartoos.com
ويختلف النوعان
A
و B
، إضافة إلى الفارق في تركيبتهما الكيميائية ، في مجال نطاق عملهما .
فالأنفلونزا من فئة B
لا تصيب إلا الآدميين فقط ويبقى انتشارها محصوراً . على عكس ذلك ، تصيب
الأنفلونزا من فئة A
الخنازير والأحصنة والطيور والحيتان وحيوانات الفقمة ، إضافة إلى الإنسان
.
www.tartoos.com
في الوقع إن أربعة أنواع
ثانوية من أنفلونزا
الفئة A
هي وحدها مسؤولة عن كل الأوبئة الفتاكة التي ضربت البشرية خلال القرن
العشرين .
على رغم اختلافهما ، يملك
النوعان دورة الحياة الأساسية نفسها . إذ ينبغي على كل نسخة من فيروس
الأنفلونزا أن تدخل خلية بشرية وأن يتصل أنزيم ال
Hemagglutinin
من هذه النسخة بالحامض المرضّب
Acid Sialic
أو أي جزء سكري في الخلية وتحتويه بشكل فقاعة في داخلها . وسرعان ما
تنطلق جينات الفيروس المؤلفة من الحامض النووي الريبي المنقوص
RNA
والبروتينات إلى داخل نواة الخلية حيث تتمكن بعض البروتينات الفيروسية من
مضاعفة سلسلتها من ال RNA
وبناء شكل جديد منه يحاكي آلية صنع البروتينات الخاصة بالخلية . وتبدأ
جينات جديدة بالنمو متخذة من الخلية وقوداً لها .
www.tartoos.com
تبقى العقبة أمام انتقال
الجينات الجديدة لاجتياح خلايا جديدة ، بسبب وجود الحامض المرضّب الذي
يكسوها عند محاولة خروجها من الخلية . وهكذا يلتصق أيضاً أنزيم ال
Hemagglutinin
بدوره في الحامض المرضّب وتعيق حركة الجينات الجديدة فتتمحور حول الخلية
غير قادرة على التحرك باتجاه آخر .
لكن ثمة مركّب في الفيروس وهو
أنزيم ال Neuraminidase
قادر على اختراق الحامض المرضّب ال
Acid Sialic
، فيتولى مهمة تفكيك هذه " المادة الغروية " ، ويسمح بالتالي للفيروس
بالحركة والإنتقال بين المادة المخاطية في خلايا المسالك التنفسية .
www.tartoos.com
جذور الوباء
في
الستينات ، تنبه الباحثون إلى أن الدواء الفعال يجب أن يكون قادراً على
إيقاف أية خطوة في مسار تكاثر الفيروس ، أو منعه من التسبب بالمرض . لكن
أحداً لم يتمكن من ابتكار طريقة جديدة للتدخل في مسار تطور الفيروس .
وأكثر من ذلك خشي العلماء من أن تؤدي أي عقار قادر على تدمير الفيروس إلى
إلحاق الضرر بالخلية السليمة نفسها ، لمعرفتهم بأن فيروسات الأنفلونزا
تنمو داخل الخلايا وتستخدم آلية هذه الخلايا الخاصة بإنتاج بروتيناتها .
www.tartoos.com
في مواجهة هذه الصعوبات تابع
المختصون محاولاتهم لفهم الأسباب وراء نشوء بعض أنواع الأوبئة المحصورة
والأخرى التي تضرب على نطاق أوسع
Pandamic
، وأدركوا أنه لا بد من التوصل إلى عقار فعّال ضد كل طراز من فيروسات
الأنفلونزا بما فيها تلك غير المعروف عنها أنها تسبب المرض عند الإنسان .
www.tartoos.com
بمقدور فئة معينة من
الأنفلونزا أن تشكل إصابات محلية أو أن تتجاوز ذلك إلى وباء شامل ، في
حالة واحدة فقط ، وهي عندما يعاني الأشخاص الذين تعرضوا للعدوى من نقص في
المناعة المناسبة لهذه الفئة . ويوضح العلماء أن جهاز المناعة في جسم
الإنسان ينتج ذرات معروفة بمضادات الأجسام
Anitibadies
تتعرف إلى الأنزيمين المركبين لغشاء الفيروس ، عند التعرض له في المرة
الأولى فإن تعرض هذا الشخص لنفس فئة الأنفلونزا في المرة التالية تتجه
هذه المضادات مباشرة إلى الفيروس وتمنعه من تكرار مفعوله .
هذا في
حال عدم تحول الفيروس وتبدله ، كما هو الوضع بالنسبة للنكاف " أبو كعب "
والحصبة ، حيث تؤمن مضادات الأجسام التي نشأت من إصابة سابقة أو بواسطة
اللقاح حماية وتحصيناً طويلي الأمد . لكن فيروسات الأنفلونزا تراجع نفسها
وتتحول في كل الأوقات . لذا فإن مضادات الأجسام التي نشأت خلال إصابة
سابقة بالأنفلونزا ستكون غير فعّالة في معالجة النوع الجديد للفيروس في
الإصابة اللاحقة ، أي في فصل الأنفلونزا الثاني . لذا يحدد مدى تبدل
الفيروس إن كانت الإصابات ستبقى محدودة نسبياً أم ستنتشر على نطاق عالمي
شامل من دون مقاومة .
www.tartoos.com
آلية التحول
www.tartoos.com
يعتمد
هذا الفيروس آليتين مختلفتين في تحوله : الأولى هي الإنحراف
“
dright “ في الجينات
المقاومة حيث تعمد إلى مراجعة تدريجية لأحماضها الأمينية المكونة
للبروتين . وتجري هذه التحولات أحياناً من خلال تقلبات ضئيلة جداً في
الجينات التي تشكل النسخة الأساسية للبروتين فتحدث فرقاً في نشاطه
واستقراره فتحدّ من قابليته وتخفف من نموه أو على نقيض ذلك تعزز على
قدرته على المقاومة ، كما يحصل عند إعادة ترتيب مجموعة أنزيم
الأيماغلوتينين
Hemagglutinin التي تم
رصدها سابقاً من قبل جهاز المناعة ومضاداته .
www.tartoos.com
عندما
تشهد الجينات والبروتينات في الفيروس عدة تحولات متراكمة لا يعود بإمكان
مضادات الأجسام في الجهاز المناعي التعرف عليها ، فتنشأ عدوى جديدة لا
يتوقف زحفها سوى عندما تصل إلى مجموعة سكانية ، سبق أن تعرف الجهاز
المناعي في أعضائها إلى العديد من هذه التحولات في وقت سابق .
يبدو أن الأنفلونزا من فئة
B
هي الوحيدة التي تنتهج آلية " الإنحراف " المتدرجة هذه في محاولة لتضليل
رقابة جهاز المناعة عند الإنسان . أما الأنفلونزا من فئة
A
فتعمد إلى آلية تحول جذرية هي " التبديل الكلي "
Shift
التي تسمح لها وحدها بالتسبب بالعدوى الشاملة في عالمنا اليوم حيث
بالإمكان أن ينتشر فيروس جديد وخطر من مشرق الشمس إلى مغربها ، في غضون
يوم واحد فقط .
لحسن الحظ أن مثل هذا التحول
الكلي لا يحدث بمجرد تحولات جينية بسيطة ، بل يتطلب وجود نوعين ثانويين
مختلفين من الأنفلونزا A1
داخل الخلية المضيفة الواحدة . وإعادة التنظيم الشامل لمكونات الفيروس في
هذه الحال تتطلب ثمانية سلاسل من الحامض النووي الريبي المنقوص
RNA
، كل واحدة منها تحتاج إلى شيفرة من بروتين الفيروسين المتواجدين أو
الإثنين معاً .
www.tartoos.com
على سبيل المثال للتوضيح :
تصيب بعض فيروسات الأنفلونزا الخنازير والناس معاً . فإن قدّر للخنزير أن
يكون مضيفاً لفيروسات من الإنسان ولمجموعة أخرى تصيب الطيور أو الحيوانات
حصرياً ، فإنه ينتج عن ذلك تطور فيروس جديد باستثناء مظهره الذي يحتوي
على أنزيم ال
Hemagglutinin الناجم
عن فيروس الطيور .
www.tartoos.com
مؤخراً ،
تعرف العلماء إلى طريقة أخرى تولد هذا التبدل الكلي لتركيبة الفيروس .
وفي هذه الحال ، وجدوا أن بعض فيروسات الأنفلونزا التي اقتصر انتشارها
سابقاً في الحيوانات ، وجدت طريقاً مباشراً لغزو الإنسان .
www.tartoos.com
لم يستطع أحد بعد تحديد نوعية
التبدل الجيني التي أدت إلى وباء الأنفلونزا الأسبانية في العام 1918
بسبب النوع الثانوي H1N1
من الأنفلونزا فئة A
. لكن العلماء استطاعوا كشف آلية إعادة الترتيب الجيني التي نجمت عن
اندماج النوعين الثانويين
H2N2
و H3N2
خلال وباء الأنفلونزا الذي ضرب هونغ كونغ في العام
1968 .
وأشارت
بعض الدراسات إلى إمكانية مساهمة الطيور البحرية في ظهور جينات غير
مألوفة شكلت لها الخنازير وسيطاً ملائماً .
قد تفسر
هذه الإيضاحات لماذا تنطلق معظم الأوبئة العالمية من الصين حيث تعيش
ملايين الطيور والخنازير بمحاذاة هذه المجموعة السكانية الكثيفة .
يختلف الوضع في الفيروس
( H5N1 )
الذي فتك بستة أشخاص في هونغ كونغ في العام 1997 فعملية الإنتشار لم تكن
نتيجة إعادة ترتيب جيني من فيروسين مختلفين ، بل حصلت بعد انتقال الفيروس
مباشرة من الطيور إلى الإنسان ، وهي حالة لم تطرأ أبداً من قبل .
www.tartoos.com
لماذا
بقيت العدوى منحصرة ؟
لأن كشف المصدر والإجراءات
السريعة للقضاء على الدواجن الملوثة لحاملة الفيروس ، حالت دون تطوير ال
H2N1
لتحوّلات متتالية تمكنه من الإنتقال من إنسان لآخر ، فيما كان عاجزاً بعد
في مرحلته الأولى عن هذا التحول . لو قدّر له ذلك لكان انتشر بسرعة لا
يمكن التحكم بها أو إيقافها . لفتت هذه الحالة النادرة نظر معظم خبراء
الصحة العامة إلى ضرورة الإهتمام بمراقبة أنواع الأنفلونزا التي تصيب
الحيوانات وليس فقط الإنسان ، كما كان متبعاً سابقاً ، وتنبهوا إلى أن
هذه الحيوانات ، تشمل دون شك الطيور المهاجرة ، لأنها قد تكون خزاناً
سنوياً لفيروسات الأنفلونزا
A
التي تنتقل في ما بعد إلى أنواع أخرى من الطيور والحيوانات . ومما لا شك
فيه أن تحديد أنواع هذه الفيروسات في المملكة الحيوانية ، والتي قد تشكل
مصدراً لتهديد الإنسان ، سيساعد كثيراً في تجنب حصول كارثة صحية على نطاق
عام .
www.tartoos.com
كذلك
أثارت حادثة هونغ كونغ انتباهاً ملحّاً لبحث ما يسمى السدود الطبيعية وهي
أصناف الكائنات الحية التي تمنع العديد من مجموعات الأنفلونزا من عبور
جنس من الحيوانات إلى آخر . لا شك من أن فهماً أفضل لهذه الحيوانات سيمكن
العلماء من سد الهوة والثغرة التي تسمح لبعض فئات الأنفلونزا من اجتياز
الحاجز والتسبب بالمرض للإنسان .
أشارت كل
الدراسات حول طبيعة فيروس الأنفلونزا ، حتى تلك التي حصلت قبل الثمانينات
، بأنّ الدواء المضاد المثالي للعلاج ، إضافة إلى قدرته على شل نشاط بعض
جزئيات الفيروس المسؤولة عن التكاثر ، ينبغي أن يعمل على استهداف موقع
ثابت لا يتبدل في هذه الجزئيات ، إنه الموقع المكون من الحوامض الأمينية
الدائمة المتواجدة في كل فئات الأنفلونزا .
www.tartoos.com
من شأن
مثل هذا العقار أن يكون فعالاً ضد أي فيروس أنفلونزا ، حتى ذلك الذي
ينتقل مباشرة وفجأة من الحيوانات .
www.tartoos.com
المثير في الأمر أن العمل
الذي مكّن الباحثين من تصميم المكونات الكابحة لعمل أنزيم ال
Neuraminidase
نجم عن اكتشاف كان محض صدفة .
فالعودة إلى أواخر العام 1970
، كان العالم لافر يحاول معرفة ما إذا كان الأنزيم
N2 Neuraminidase
المسؤول عن عدوى هونغ كونغ في العام 1957 مرتبطاً بالأنزيم
H2N2
المسبب للأنفلونزا الآسيوية في الفيروس . في البداية كان عليه أن يعزل
رؤوس الأنزيمين ويكثفهما ، وعندما عزل رؤوس ال
Neuraminidase
عن الفيروسات النقية وكثفها في مركز الفصل ، وجد لدهشته أن التجميع الذي
حصل عليه ليس منتظماً كما هو الحال بالنسبة للبروتينات ، بل مؤلف من
بلورات .
ويعني
هذا الإنتاج غير المتوقع من بلورات النوارمينيداز أنه بالإمكان حل شيفرة
بنية هذا الأنزيم .
في العام 1983 ، جاءت حصيلة
أعمال العالم بيتر كولمان وزملائه في منظمة الأبحاث الصناعية والعلمية
للكومنولث في أستراليا مطابقة لعمل الباحث لافر قبله . وكشف البحث أن
النورامينيداز
Neuraminidase في
فيروس الأنفلونزا مكوّن من أربع ذرّات ممائلة آحادية
Monomeres
تتعلق بغشاء الفيروس بواسطة سن أو صدع عميق ، وأهم اكتشاف توصّل إليه هذا
الفريق هو أن الأحماض الأمينية التي تكسو جدران هذه الصدوع لا تتغير حتى
ولو اختلفت جزئيات النورامينيداز وأحماضها الأمينية في الفئتين من
الأنفلونزا A
و B
.
إذا
أخذنا بعين الإعتبار أن فيروسات الأنفلونزا لا تستطيع الإنتشار بسرعة من
خلية إلى أخرى من دون مساعدة أنزيم ال
Neuraminidase
فإن الإكتشاف الحديث يعني أن العقار القادر على احتلال موقع هذه الصدوع
التي تمكن الأنزيم من اخراق الأسيد سياليك ، سيكبح عمل الأنزيم بأكمله في
كل الأنواع ويشكل بالتالي الدواء " القابس " العالمي لعلاج الأنفلونزا .
www.tartoos.com
آلية عمل الأدوية الحديثة
تابع كولمان وفريقه الأبحاث
فحدد الأحماض الأمينية في الموقع الناشط للأنزيم ، والذي يكون عادة
متصلاً بحامض السيليك المرضّب
Acid Sialic
ووجد أحماض الصدع “
Clefts “ الأمينية
التي لا تعيق حركة هذا الحامض ، وفي نفس الوقت تصلح لتمركز الدواء .
www.tartoos.com
وقد لاحظ هذا الفريق أن السن
الصدع العميق “ Cleft “
يحتوي على ثلاثة أحماض أمينية ذات شحنة موجبة ( + ) تلتقط مجموعة من
الكربوكسيلات Carboxylate
ذات الشحنة السلبية ( - ) في الحامض المرضّب
Acid Sialic
.
كما وجد حامضين أمينيين ذا
شحنة سلبية في جيب في أسفل الصدع ، موجودين في كل فئات الأنفلونزا . من
دون أن يلتصقا بالحامض المرضّب
Acid Sialic
ومجموعة أخرى من الأيدروكسيل
OH
قرب الحامض المرضّب وكان الإقتراح بأنه بالإمكان وضع مركّب إيجابي
الشحنة مكان مجموعة ال HO
لمنع نشاط الحامضين الأمينيين السلبيين .
www.tartoos.com
بعد عدة تجارب وأخطاء ، رأى
الباحث مارك فون إيتزتان وزملاؤه في جامعة موناش في ملبورن أن تبديل
الحامضين الأمينيين بال
OH يشكل حاجزاً
منيعاً لأنزيم النورامينيداز . والأكثر من ذلك تبين أن هذا المركّب
المانع لا تأثير له على الأنزيمات الأخرى التي تنتجها الخلايا السليمة ،
لذا فهو لن يلحق بها أي ضرر .
في ما
بعد كشفت الدراسات على الحيوانات والتجارب الأولية على الإنسان أن مادة
زاناميفير ( المكونة للعقار الجديد رولانزا ) منعت ظهور أعراض الأنفلونزا
عند الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض لاحقاً وخففت من حدّة الأعراض عند
الأشخاص الذين تناولوا العقار بعد الإصابة . غير أن هذا المركّب لا يعمل
عن طريق البلع بشكل حبوب ، بل عن طريق الإستنشاق من الأنف والفم .
www.tartoos.com
والغريب
أن المكون الذي جعل من هذا العقار فعّالاً هو الحائل دون تناوله عن طريق
الفم ، ومردّ ذلك إلى أنه ينبغي على الدواء الذي يتم هضمه اجتياز خلايا
جدران الأمعاء والعبور من مجرى الدم قبل أن يصل إلى أنسجة أخرى في الجسم
.
www.tartoos.com
لكنه في
هذه المرحلة تواجه جزئيات الدواء المشحونة صعوبة في اختراق الأغشية
الدهنية للخلايا التي تمرّر سوى المكونّات غير المشحونة .
لأن الإستنشاق هو وسيلة شائعة
لأخذ الأدوية التي تعمل على الجهاز التنفسي ، بادرت شركة
Glaxo Wellcome
لتصنيع الأدوية في بريطانيا إلى إجراء المزيد من الإختبارات على عقار
Zanamivir
عند الإنسان ، في الوقت نفسه أرادت شركة
Gilead Sciences
في فوستر سيتي في ولاية كاليفورنيا بالتعاون مع شركة الأدوية
La Roche
في النمسا تلبية رغبة المرضى الذن يفضلون الحبوب وتابعت الأبحاث حول
تصنيع مركّبات مانعة لل
Neuraminidase على شكل
أقراص توصلاً إلى عقار مثالي بإمكانه عبور الدم ومحاربة فيروس الأنفلونزا
في الخلايا المصابة خارج الجهاز التنفس .
www.tartoos.com
عقار آخر ال
GS4104
بعد تجارب متواصلة ، وجد هذان
الشريكان أخيراً عقاراً جديداً هو ال
GS4071
الذي يتمتع بفاعلية موازية للزناميفير . وبينّت التحاليل أنه يحتوي على
نفس المركّب الرئيسي المانع لأنزيم
Neuraminidase
، غير أن العائق أمام عمل هذا العقار هو في عدم قدرته أيضاً على اختراق
الأمعاء ، وبعد تعديل ناجح على شكله من خلال تغليفه بواسطة قناع ، تحول
إسمه إلى GS 4104
، وتمكن من عبور مجرى الدم ونزع هذا القناع .
www.tartoos.com
في الخريف الماضي ، تم التأكد
من فعالية هذين العقارين بعد اختبارات واسعة . وتبين أنه إثر تناول
أحدهما بعد يوم ونصف من ظهور أعراض الأنفلونزا سواء عن طريق التنشق في
استخدام ال Zanamivir
أو أقراص ال GS4104
تتقلص فترة المرض بنسبة 30 في المئة وتخف حدة الأعراض بنسبة تتراوح بين
25 و 60 في المئة وتتقلص أيضاً احتمالات الإصابة بالالتهابات البكتيرية
الثانوية ، مثل البرونشيت ( التهاب الرئتين ) بمعدل النصف وأكثر ، إذ
غالباً ما تكون هذه المضاعفات هي السبب الرئيسي للوفاة بين المصابين
بالأنفلونزا ، خاصة بين المتقدمين في السن ، أو الذين يشكون من حساسية
ومشاكل أخرى مزمنة .
www.tartoos.com
هذا ، وأشارت آخر دراسة حول
عقار ال Zanamivir
أن أتباعه على شكل حقن يحقق أيضاً الفائدة المرجوة .أما بالنسبة لفعاليته
في الوقاية فبينت الإحصاءات أن 2 في المئة من الذين تناولوا الدواء
سابقاً أو في فصل العدوى أصيبوا بها مقابل 6 في المئة من الذين لم
يتناولوه . وكانت الأبحاث حول عقار ال
GS4104
أيضاً مشابهة ومتطابقة ولم يتسبب أي منهما بأعراض جانبية جدية .
www.tartoos.com
استناداً إلى هذه الدراسات ،
طلبت شركة Glaxo Wellcome
الموافقة على إنزال عقارها إلى أسواق أوستراليا ، أوروبا ، كندا وأميركا
، في حين قدمت شركات
F.Hoffman و
Gilead
و La Roche
طلباً مماثلاً لإنزال عقار
GS4104
إلى الأسواق في أميركا وأوروبا هذا العام .
www.tartoos.com
عقارات أخرى مانعة لنشاط
أنزيم ال Neuraminidase
يتم تطويرها من قبل شركة
Biocryst في برمنغهام
بالتعاقد مع شركة جونسون & جونسون .
الإنجازات
قد يرى
المراقب العادي أن تقليص فترة الإصابة بالأنفلونزا ليس إنجازاً يذكر لكن
ما حققه هذا الجيل الجديد من العقاقير هو أعمق مما يبدو للمرء من النظرة
الأولى ، ذلك أن الإرهاق الشديد والتعب المضني والإنحطاط ، وهي الأعراض
التي تظهر في آخر أيام الإصابة ، ليست سوى دليل على انكفاء نشاط الجهاز
المناعي بعد إزالته لمعظم الفيروسات داخل الجسم ، لذا فإن هذه العقارات
من خلال استهدافها الفيروس مباشرة تقي الجهاز المناعي من الإفراط في عمله
، إضافة طبعاً إلى تقليص الأعراض الأكثر سوءاً خلال العدوى .
www.tartoos.com
كقاعدة
يوصى باتباعها ، بقدر ما يتم اللجوء إلى هذا العلاج باكراً ، بقدر ما
تأتي النتيجة أفضل . ولعل هذه الأدوية قد تمنح وقاية فعّالة عند تناولها
عند أول تشخيص .
في هذا
الصدد ، لا بد من الإشارة إلى أن المستقبل القريب سيشهد تقدماً مذهلاً
على صعيد التشخيص المبكر للأنفلونزا ، التي سيصبح بالإمكان كشفها بواسطة
شريط صغير يلصق على اللسان ، عند الصباح ، يبيّن تغير لونه أن الشخص يؤدي
فيروس الأنفلونزا ويحتاج إلى تناول المضاد لتفادي الأعراض .
www.tartoos.com
حالياً ،
أصبحت أدوات التشخيص السريع هذه متوفرة في عيادات الأطباء وتسعى شركات
التصنيع إلى تحسين جودتها بهدف استخدامها المنزلي أيضاً .
لا شك أن
التحديد الدقيق والتفريق بين أنواع الإصابة وعدم الخلط بين الزكام
والأنفلونزا مثلاً أو أي مرض آخر يرتدي طابعاً مهماً جداً لأن فعالية هذه
الأدوية تنحصر في عدوى الأنفلونزا دون سواها .
www.tartoos.com
تساؤلات
على رغم
كل الإنجازات الواعدة والتي تثير الحماس ، يطرح التفكير المنطقي عدّة
تساؤلات ومنها : من المفترض أن تعمل المضادات الفيروسية هذه على منع
التكاثر الفيروسي وتقليص المضاعفات ، ولكن هل يقي فعلاً من الوفاة ؟
www.tartoos.com
-
أليس بمقدور
الفيروسات بعد فترة وجيزة تطوير مقاومة لهذه الأدوية أيضاً ، والمعروف
عنها أنها تناضل للبقاء من خلال التمويه والتحول للإفلات من تأثير
الأدوية ؟ وهل ثمة أسباب للإعتقاد بأن هذه النتيجة لن تكون مصير هذه
الأدوية ؟
-
في الواقع ، إن
استخدام الدواء بشكل واسع والترقب والإنتظار إضافة إلى تعميق الدراسات ،
كفيلة بأن تقدم الإجابة الصائبة .
ماذا وراء قدرة فيروس الأنفلونزا على الفتك ؟
www.tartoos.com
عندما
تضرب عدوى الأنفلونزا ، فهي عادة ما تفتك بالأشخاص الذين لا يتمتعون
بحصانة منيعة كالمتقديمن في السن أو هؤلاء الذين عانوا من مشاكل سابقة .
ولكن مع الوقت بدأت الإصابة تتغلب أيضاً على الشبان الأقوياء . هكذا كانت
الحال في العام 1918 ، عندما قضى وباء الأنفلونزا الأسبانية على عدد رفاق
الذين ماتوا خلال الحرب العالمية الأولى . خلال تلك الفترة ، حتى أقوى
الجنود بنية لاقوا حتفهم ، وكان البعض يشعر بإنزعاج طفيف في الصباح ،
فيقبع في الفراش بعد الظهر ويتوفى في الليل .
|