|
الطبع أم التطبّع ؟!
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه
الوراثة تكشف نفسها عن طريق تفاعلات معقدة مع البيئة التي يعيش فيها
الفرد .ذات حين
, كان الوالدان ينسب إليهما كل الفضل , أو يوجه إليهما كل اللوم , في ما
يؤول إليه حال نسلهما من رفعة أو شر .www.tartoos.com
ثم جاءت
نتائج الأبحاث تقول لنا إن الوراثة هي التي تقرر من نكون من البشر . ثم
زادت الأبحاث على ذلك بالقول إن بوسع الوالدين أن يلقيا بثقلهما على
أولادهما و يساعدا الأولاد على أن يحيوا حياة سعيدة صحيحة . و هذه
النتيجة الأخيرة يمكنها أن تشيع الطمأنينة في نفوس بعض الآباء و الأمهات
, أو أن تثير القلق في نفوس البعض منهم , و ذلك تبعاً لأخلاق و طبائع
الوالدين نفسيهما , وكيفية تنشئتهما لأبنائهم و بناتهم .www.tartoos.com
إن عنوان
هذه التأثيرات , سلباً أم إيجاباً , يلخص بكلمتين اثنتين , ما برحتا منذ
أقدم العصور محطّ التربية , وهما : " الطبع أم التطبُع " . وفي دراسة
أجراها عالم النفس الأميركي الدكتور رايس , من جامعة جورج واشنطن , و
معاونوه , طوال أكثر من اثنتي عشرة سنة حول موضوع تطور الفرد في سن
البلوغ , برزت من جديد نتيجة معروفة تقول إن للوالدين تأثيراً قليلاً
نسبياً على الحال التي يؤول إليها الصغار بعد أن يشبّوا على الطوق , هذا
مع الأخذ في الحسبان بالطبع , دور الجينات التي يورّثانها صغارهما .www.tartoos.com
وقد حاول
الدارسون في هذه الدراسة المستفيضة عن تطور الأطفال , النظر إلى الفروق
البيئية , فأفادوا بأنهم لم يعثروا على كثير من هذه الفروق , مما حملهم
على أن يستخلصوا بأن المؤثرات الجينية مسؤولة إلى حد كبير عن الكيفية
التي يتهيأ بها الصغار : أحوالهم الدراسية , وقابليتهم للاندماج مع
أقرانهم , و منحى سلوكهم , هل هو متجه اتجاهاً طبيعياً أو ميالاً إلى
الجنوح .www.tartoos.com
إن هذه
النتيجة التي توصل إليها الدكتور رايس و زملاءه بعد دراسة استغرقت بضع
عشرة سنة , لم تدهش باحثاً آخر هو الدكتور روبرت بلومين من معهد علم
النفس في لندن و هو باحث جيني سلوكي , ما برح ينادي منذ سنوات بهذه "
الحقلئق الجديدة " , التي " اكتشفها " مؤخراً عالم النفس الأميركي , وهي
أن للجينات تأثيراً على شخصياتنا , أكبر مما كان يظن , و أن دور التنشئة
أقل من دور الجينات .www.tartoos.com
النتائج
الآنفة , تعكس أوجه الخلاف الكبير بين علماء النفس حول دور " الطبع "
ودور " التطبع " في حياة الشخص .
لايدّعي
العلماء الجينيون السلوكيون , بأن جينات الشخص التي ورثها عن أبويه هي "
الخرائط " التي تملي على الشخص وجهته أو تحدد له كل صغيرة و كبيرة في
شخصيته و سلوكه , و إنما يقول أولئك العلماء إن الوراثة تكشف نفسها عن
طريق تفاعلات معقدة مع البيئة التي يعيش ذلك الفرد بين ظهرانيها , وهم
يرون أن النظريات التي تتناول هذا الموضوع , تكتنفها خفايا و نواحي أقوى
من الرأي بأن الوراثة هي قدر الإنسان الذي لا محيض عنه .
ويقول
بعض العلماء الآن إن مشاركة الوالدين في هذه التفاعلات المتبادلة ذاتها ,
هي التي توجد هذا النفوذ الكبير الذي يمارسونه .www.tartoos.com
مواجهة بين
"الطبع "و" التطبع "
إن
الطريقة التي يفهمها علماء الجينات السلوكية , عن الكيفية التي تشكلنا
الوراثة بها , هي في الجانب الأقل منها اتجاه مرسوم محدد , و في الجانب
الأكثر , عبارة عن مجموعة من الدعوات و الاستجابات , وعبارة أخرى فإن كل
جملة تتلفظ بها الوراثة , تستدعي صدور جواب بيئي عليها . أي أن هناك
ترابطاً و تجاوباً بين الحالين . وهذا الترابط المشترك هو الذي يؤثر
بدوره على شخصية الفرد . وخير ما يوضح ذلك أن الطفل الصغير إذا كان مشرق
الوجه هادئ المزاج , فإنه يكون أكثر استجلاباً لابتسامات الناس و
مناغاتهم و محبتهم , أكثر مما يحظى به طفل متجهم نكد الطباع . و بمرور
الوقت تتولد في النفس صورة من نوع خاص يحس بها الطفل ذاته , وتتأكد هذه
الصورة في أحاسيس الآخرين تجاهه أيضاً .www.tartoos.com
وحتى مع كون
الجينات ذاتها تدعو صاحبها إلى السعي نحو الوصول إلى أنواع معينة من
التجارب الحياتية . وهذا راجع إلى أن راموز " الدنا " (DNA
code)
في كل خلية مختص بنوع
معين في
الجملة العصبية : راموز يجعل صاحبه يشعر بالتهيب من الدخول في مواقف
جديدة عليه , أو يجعله مغرماً بالأحاسيس القوية المثيرة , أو يصيره
بطيئاً في إبداء ردود فعله . ويقول بعض الباحثين , استطراداً من هذا
المنطلق , أن الأطفال , إذا ما ووجهوا بمجموعة من الفرص المتاحة لهم ,
فإن كلاً منهم ينتقي منها ما هو أقرب إلى نوعه الجيني . وعندما يكبر
أولئك الأطفال تتزايد أمامهم فرص هذه الخيارات بصور أصدقاء وأعمال و
أزواج , و هلم جرا , وهي خيارات تعكس شخصياتهم و تضع حدوداً لها .www.tartoos.comwww.tartoos.com
و لكي
تتاح للجينات الوراثية و البيئية فرص التفاعل المتبادل بهذه الطريقة ,
فإنها في حاجة إلى التخاطب المستمر جيئة و ذهاباً .www.tartoos.com
ولما كان
الوالدان عادة يقومان بتربية الطفل الذي منح جيناتهما , فإن مثل هذا
التخاطب نادراً ما كان مشكلة . فالوالدان يشاطران أطفالهما , صفات هؤلاء
الأطفال , بل و يحبذانها , كما أن البيئة التي يهيئها الأبوان لأطفالهما
, قد تؤدي إلى دعم هذه القدرات الطبيعية : فالوالدان الجيدا التعلم , قد
يلدان طفلاً يتطور أيضاً إلى شخص متعلم , لأن ذلك الطفل يعيش في منزل
حافل بالكتب .
غير أنه
قد تقع مشاكل عند الطفل إذا ما تعطلت لغة الخطاب بين " الطبع " و
"التطبع " , وذلك عندما لا تسمح البيئة التي يعيش فيها الطفل بتشجيع
حاجته إلى التعبير عن ميوله الطبيعية . قد يحدث ذلك , عندما لا تكون
قدرات الطفل كافية لتلبية تطلعات والديه , أو عندما يحدث صدام بين مزاج
الطفل الموروث جينياً , و مزاج والديه , أو إذا كانت بيئة الوالدين قد
أغدقت عليهما من الفرص التي لم تتح لطفلهما , وهو ما يحدث لكثير من
الأطفال الذي يولدون في بيئة من الفقر المدقع , ثم لا تتاح لهما فرصة
التعبير عن أنفسهم كوالديهم – سلباً أو إيجاباً .www.tartoos.com
تدخل الأشقاء
في الصورة
إن
الحوار بين جينات الطفل و بيئته تزداد تعقيداً , إذا أضاف الأشقاء
و الشقيقات صوتاً آخر في ذلك الحوار . و مع أن الأشقاء يتشاطرون ما تبلغ
نسبته حوالي 50% من الجينات الوراثية , فإن ال 50% الباقية , تفضي بهم
إلى خلافات في طرح التساؤلات ( في هذا الحوار بين الجينات و البيئة
) , وفي الحصول على أجوبة عن هذه التساؤلات , حتى ولو أن البيئة هي
هيwww.tartoos.com
. والواقع أن الأخوة يخلقون بيئات خاصة بهم , و ذلك عن طريق اختلاف سعيهم
نحو تحقيق تجارب مختلفة , وسعيهم لاستجلاب ردود فعل مختلفة من لدن
والديهم و أصدقائهم و سواهم , و مثلهم في ذلك مثل الأعمى في إحدى
الأساطير , الذي يلمس ساق الفيل أو خرطومه أو ذيله ف " يرى " ثلاثة أشياء
مختلفة لحيوان واحد . ولقد دلت الدراسات في الواقع على أن الوالدين
يفرقان أحياناً في المعاملة بين طفل و آخر .. إن للبيئة الأسرية بالفعل
تأثيراً على تطوير الشخصية , ولكن ليس بنفس الطريقة التي كان ينظر
بها إليها .
www.tartoos.com
الطفل
–
هل هو صاحب القرار ؟
إن أحد المضامين الباعثة على الحيرة ,
الواردة في ميدان البحث السلوكي , هو أن الطفل من نواح عدة هو الذي يحدد
منحى تطوره , عن طريق الخيارات التي يختارها , و ردود الفعل التي يبديها
, بل و الأصدقاء الذين يصادقهم . لكن , إذا كان هذا القول صحيحاً في كثير
من الأحيان , فإن الوالدين يظلان مع ذلك معاونين له في خياره . و هذا
معناه أن دور الوالدين في تشكيل شخصية طفلهما , هو دور كبير , وأضخم مما
يبدو لأول وهلة .www.tartoos.com
وطريقة تجاوب الوالدين مع خصائص طفلهما ,
تلك الخصائص ذات التأثر بجيناته الموروثة , هذه الطريقة هي التي تحدد
الفروق في الطرق التي يعبر بها الطفل عن هذه الخصال الموروثة . وبهذه
الصورة , إذا صدقت النظرية , فإن العلاقة بين الطفل ووالده هي صورة من
صور ترجمان للتأثير الجيني . فنوع الجينات على هذا هو الذي يحدد الخطة
الأساسية , والتربية هي التي تولد القوام الذي تتخذه تلك الجينات , و
تمده بالدعم و التأكيد . ولكن الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع , لا
تجعل للوالد بالضرورة قابلية البدء . بل تزعم أن الصغير هو الشخص البادئ
, وأن الوالد يقوم برفد ذلك و الزيادة عليه , لا تحديد مساره .www.tartoos.com
وخلاصة هذا الرأي , إذا سلمنا بصدق هذه
النظريةwww.tartoos.com, هي أن دور الوالدين , بحكم كونهما مترجمين للغة الوراثية يفرض
عليهما إمكانية مثيرة . فإذا كان بالمستطاع المداخلة مع الوالدين و
جعلهما يتصرفان تصرفاً مغايراً لخصائص صغيرهما , عندما يبدي سلوكاً
ضاراً به , فإنهما يستطيعان عندها تعويض كثير من التأثير الجيني عند
الصغير . وفي هذه الحالة إذا أصبحت الجينات هي المحددة لسلوك الصغير عن
طريق البيئة التي يعيش في ظلها , فإن تغيير هذه البيئة , قد يؤدي إلى
تبديل طريقة تعبير الجينات .www.tartoos.com
وفي هذا المجال . هنالك حقيقة لا مناص من
ذكرها , وهي أن مثل دراسات المداخلة هذه , ما تزال في دنيا التنظير , ولا
بد من مرور عدة سنوات قبل أن تعطي ثمارها . و مع ذلك فإن الأبحاث التي
أجريت على نطاق صغير , وكذلك التجارب السريرية القريبة المدى , إنما تحدد
السبيل نحو التعامل مع القوى الوراثية عند الأطفال قوة أو ضعفاً .
طفلك – هل سيتجه للجامعة أم السجن ؟www.tartoos.com
بالنسبة لخصائص الطفل التي ستصبح مع
الأيام , إما مكسباً أم خسارة له , فإن التربية المنزلية لها دور حرج
جداً في تحديد هذه أم تلك . إذ أن نفس المزاج الذي يمكن أن يلقي الشخص في
غياهب السجون , قد يجعل الشخص إنساناً مفيداً يسدي لبلده أجلّ الخدمات و
يتبوأ أرفع المناصب .
قد يبدو أحد الصبية , شخصاً صدامياً
انفعالياً غير هيّاب , حتى أن والديه قد ييأسان من إصلاحه و جعله ينقاد .www.tartoos.com
وفي هذه الحالة قد يسهل على الوالدين
إهمال صغيرهما و جعله يمضي على هواه و يصير شخصاً مطبوعاً على العنف و
العدوان , خاصة إذا صار يكثران من معاقبته و ضربه , و بذلك يبعدان
نفسهما عنه و يفقدان كل وسيلة للسيطرة عليه .www.tartoos.com
ولكن إذا أحسن الوالدان
التصرف إزاء هذا الصغير , فإن نفس خصائصه الطبيعية قد تنمو نمواً طيباً ,
بحيث يصبح شاباً قادراً على أداء المعجزات في حياته . إن الفرق بين
الحالين المتناقضينwww.tartoos.com
, منوط بالوالدين , إذ أن وعيهما و حسن تجاوبهما , فيهما الفرق بين
السعادة و التعاسة .
لكن الجينات
ليست كل شيء
www.tartoos.com
وعلى كل حال , فإن بعض الجينات التي
يرثها الطفل قد لا يستسلم لهذا المنطق , لأن الجينات ليست القصة بكاملها
, إذ أن للبيئة التي يتقلب فيها الطفل , تأثيراً كبيراً أيضاً على حياته
. و خلاصة القول هي أن الجينات ليست كل شيء , كذلك فإن البيئة ليست
المؤثر المطلق . وهنالك من العلماء النفسانيين من يعرب عن اعتقاده بأن ما
يقرر شخصية الطفل ليس أبواه , و إنما أقرانه , ذلك لأن الطفل يعيش في
عالمين : البيت و الحياة العامة .www.tartoos.com
|