LBCInformation
العودة إلى / المجلة الطبية / العيادة العصبية والنفسية/ الصفحة الأولى   

اطرح الخوف جانباً

 

الخوف هو واحد من العواطف الأساسية الكبرى عند الأحياء . وهو , في حد ذاته لا يشكل خطورة على الإنسان , وإنما هو جزء من المنظومة الطبيعية المهيأة لأن تتفاعل عند التعرض للخطر أو توقع حدوثه , ومع أن هذه المنظومة وظفت من قبل الإنسان في أول الأمر لتفادي الضواري في سالف العصور- كتجنب ملاقاة أسد أو نمر مثلاً- إلا أن عاطفة الإحساس بالخطر والخوف تطورت بمرور الأيام بحيث أصبحت اليوم وسيلة لتجنب التهديدات التجريدية بل ولتفادي الأوضاع الاجتماعية .www.tartoos.com

ومع أن قابلية الانفعال مع الخوف , طبيعية تماماً , إلا أنها قابلية كريهة على كل حال . الخوف يبدأ في حزمة من الخلايا في أكثر الأقسام بدائية بالدماغ المسماة "لوزة" ( amygdala ) وهذه الخلايا هي التي تقوم "بوزن" المعلومات التي تتلقاها سعياً وراء الحصول على محتواها العاطفي وما يوجد فيها من احتمالات التهديد . فإذا أحست هذه "اللوزة" بتهديد على الكائن الحي , أطلقت على الفور إشارات تحذير وبادرت المنعكسات الغريزية إلى العمل كالقفز والهروب أو الصراخ تنبيهاً لأفراد الجنس , وفي الحال تشرع الغدتان الكظريتان في أعلى الكليتين بضخ هورمون الأدرنالين والنورادرينالين , وهما مادتان كيميائيتان تعملان عمل منبهات تثير ردود فعل تنظيم الجسم كله . واندفاع هاتين المادتين عبر الدم يؤدي إلى تسارع ضربات القلب والتنفس واتساع بؤبؤ العينين وجفاف الريق . وفي الحالات القصوى يصاب الجسم بفرط تهوية ودوخة ورعشة وغثيان . وهناك رد فعل جسماني آخر يعتري الجسم وهو حدوث تبدل في شكل الدورة الدموية www.tartoos.com

فالأوعية القريبة من الجلد تضيق لكي يتوفر المزيد من الدم لسد حاجات العضلات الكبرى .( مما يفسر شحوب الجلد في حالات الخوف ) ويعاد تنظيم مجرى الدم في الحال لأن هذه العضلات في الذراعين والساقين قد تدعو الحاجة إليها من أجل الهروب أو محاربة المهاجم , ولكنها تولد إحساساً جسمانياً بارزاً – فالدم يجري بارداً أثناء هبوطه في الصلب .

ومن الآثار الجانبية لتفعيل منظومة الإنذار هذه أن الخوف يؤدي أيضاً إلى إضعاف القدرة على التركيز . وكثيراً ما يشكو الأشخاص المصابون بالقلق , مع أنه صار من السهل عليهم الانصراف عن ممارسة أعمالهم اليومية المعتادة . إن هذا جزء من عملية الاستجابة للخوف : إذ أن إحدى أهم نواحي مواجهة الخطر هي معرفة المكان الذي يأتي منه . وبدلاً من تركيز الدماغ في الواجبات الصغرى , نراه يقف جهده كله على تلمس البيئة جملة للاهتداء إلى مكمن التهديد . www.tartoos.com

في الماضي البعيد ربما كان ذلك التهديد وحشاً متربصاً بين الحشائش , وبينما كان الإنسان في الماضي يسعى لمعرفة مكان نمر متربص به , نراه اليوم يستخدم الوسائل التكنولوجية العصرية لتفادي التهديد بالمخاطر المحتملة . إن منظومة الإنذار كلها في الجسم مؤهبة لحماية الفرد من عوامل التهديد . ولكن الناس لا يكتفون بمجرد الانفعال بالتهديد – وإنما يسعون جاهدين  لتوقعه"  إن هذا النوع  " المتوقع " من مصادر الخوف هو جزء من الاستراتيجية الطبيعية التي طورها الإنسان بغية تجنب الخطر . إن للخوف التوقعي شكلين متميزين : القلق والانشغال مع تهديد وشيك , والنضال الداخلي من أجل إيجاد وسيلة للخلاص من الخطر . www.tartoos.com

هل المدنية على وشك الزوال ؟

ظل الناس طوال عقود كثيرة يخافون من تهديد الحروب النووية . وقد صار كثير من الناس في هذه الأيام متيقنين من أن المدنية , كما هي معروفة الآن , قد أوشكت على الزوال . وقد أذكت هذا الشعور عند أولئك المتشائمين , ما تنشره الصحف والكتب العصرية ووسائل الإعلام ! www.tartoos.com

وقد أدت هذه المخاوف إلى بناء ملاجئ قوية تحمي من مخاطر الحرب النووية , إلاّ أن هذا النوع من المخاوف , قد أوجد من المشاكل ما يربو على ما كان قائماً , فهو يؤدي إلى الشلل أكثر مما يؤدي إلى العمل , حتى أصبحت الاضطرابات الناشئة عن القلق- في أكثر الدول الصناعية الكبرى- سبباً في حدوث مشاكل تمس الصحة العقلية عند الناس هناك , وهذه تتجلى في الإصابة باضطراب قلق اجتماعي , وخوف مرتكز على إحساس بعدم الضمان الاجتماعي , واضطراب ناشىء عن الفزع , حتى صار الكثيرون يخافون من الخوف !www.tartoos.com

وأحياناً قد تتطور عند الشخص من هؤلاء حالة من القلق والترقب خوفاً من وقوع كوارث محتملة , يتجاوزان إلى حد كبير عاطفة الخوف ذاتها . وحتى لو لم يشعر الشخص بأنه خائف جداً , فإن القلق بحد ذاته كافٍ لأن يولّد فيه قدراً كبيراً من الشدة والضغط العاطفي , كاف لمنعه من مزاولة حياته اليومية , ويطلق على هذا النوع من القلق المبالغ فيه اسم " اضطراب القلق العام " ( GAD) ) والمصابون بهذه الحالة يبلغون الملايين عدّاً . www.tartoos.com

الظاهر أن تطور حالة القلق العام ناشئة عن عامل جيني صغير . فنسبة الاستعداد للإصابة بهذه الحالة الوراثية , كما تفيد نتائج إحدى الدراسات تتراوح بين 15 – 20 % . أما العوامل الأخرى المسببة لهذا النوع من القلق , فهي بيئية . وقد وصف اختصاصيو المعهد القومي للصحة العقلية الأميريكية أعراض " اضطراب القلق العام " على هذا النحو : إن الأشخاص المصابين بهذه الحالة يبدون عاجزين عن طرح أسباب توجسهم حتى ولو أنهم يدركون بأن قلقهم أشد مما يبرره الموقف . وهذا التوجس يكون مصحوباً بأعراض جسمانية أيضاً ولا سيما الرعاش أو ارتعاد العضلات أو الصداع أو سرعة الانفعال أو حدوث هبات حارة . www.tartoos.com

إذن فالأعراض الجسمانية لهذا النوع من القلق تعكس انفعال الجسم بعاطفة الخوف . ولكنه يختلف عن رد فعل الجسم إذاء الخوف القائم الطبيعي الناشىء  عن تهديد حقيقي يتطلب تجاوباً كبيراً – فاضطراب القلق العام يضخم مقدار الخطر الذي ينشأ عن وضع محتمل . فإذا كان الخوف الطبيعي إنذاراً يهيىء الشخص لمجابهة الخطر , فإن القلق العام هو إنذار زائف لا يستطيع الإنسان وضع حد له . www.tartoos.com

يستفاد من الأبحاث التي أجريت في هذا الميدان أن " اضطراب القلق العام " مرتبط بمخزون الدماغ من الذكريات المشحونة عاطفياً . إن المشاعر التي تراود الإنسان في حال وقوع أحد الأحداث يبدو أنها تلعب دوراً هاماً من حيث قوة الذكريات التي تليها . ومع أن الذكريت المرتبطة بأقوى العواطف تبقى الأكثر بروزاً . وهذا شيء معقول من جهة التطور : فالذكريات تخزَّن في العقل بحيث يصبح بوسعنا الحصول عند الحاجة إلى المعلومات اللازمة لاستمرار الحياة . لذلك فإن تذكّر الأحداث العاطفية تساعدنا على استنساخ أكبر بواعث انتصاراتنا , وتجنب تكرار أحداثنا البغيضة . وخير ما يحقق ذلك هو أن تتولى ذاكرة الإنسان تقويم أهمية هذا الحدث أو ذاك www.tartoos.com

ثم يأتي دور الدماغ الذي يتجاوب تبعاً لنتائج مثل هذا التقويم . فإذا انطبعت في الدماغ عاطفة الخوف من حادث ما , فإنه يصبح مستعداً للتجاوب مع هذه العاطفة كلما وقع شيء يثير هذه الذكرى , وهكذا يبدو وكأن الشخص قد جرح جرحاً عاطفياً , وكأن رد فعله عند استرجاع هذه الذكرى كمن يلمس جرحه الحي . www.tartoos.com

يعتقد علماء النفس بأن مثل هذا الخدش هو نتيجة تعرض الشخص لخسارة شخصية غير متوقعة , تعرضه لحالة تجعله يشعر وكأن الدنيا مكان مهدد له .

وأياً كان سبب هذا الإحساس , فإنه يؤدي لترسخ مركّب الخوف في مكانه , فإن أحداث الحياة كافة يمكن أن تخلق في الإنسان حالات عميقة من القلق . فإذا كان الخوف يطال صحة وسلامة الأطفال مثلاً , فإن مجرد رؤيتهم في سيارة المدرسة , كاف لأن يجعل الشخص قلقاً غير مستقر. www.tartoos.com

 

الصفحات :                          طباعة المقال  |  العودة إلى / المجلة الطبية / العيادة العصبية والنفسية/ الصفحة الأولى   
معجم الكمبيوتر للسيدات فقط الموضة النسائية
المعلومات العامة
المجلة الطبية لمحة عن طرطوس صور من طرطوس صور من سورية
Arwad أرواد سورية أدب وفكر عمريت Amrit مدرسة الكمبيوتر دليل المواقع العربية
 © 2002- 2010 LBCInformation Corporation. All rights reserved م حنا عطا لحود .