العودة الى صفحة أدب وفكر  
       
الكوة
الجدار
وليمة
قناعة
الإنجاز
ملاحقة
استقامة
الصوت
الثمرة
الخريف
             
مفازات
تلك الرحلة
المفتاح
الكــوة
 
 
قطرات المطر تضرب وجه الأرض بشغب طفولي؛ فهل هذه البداية؟! وهل سيكون هذا الشتاء شتاء؟! هل سيظل مبرراً تسمية الأشياء بأسمائها؟!
ما يهمني؟! وماذا يمكنني أن أفعل؟! أنا الناظر من هذه الكوة، المتحصن خلفها أوزع النظرات في كل الأنحاء، قدر ما يؤمنه لي حيزها المحير!
*
منذ متى أنا هنا؟!
الكوة أمامي مساحة للضوء غير منتظمة الإطار، ولا محددة الأبعاد أو واضحة الحدود.. تتطاول أحياناً في اتجاهات مختلفة، فأستطيع أن أميز عبرها أشكالاً وأشياء وهياكل. وأعبر عن طريقها إلى أمداء فسيحة أضيع في متاهاتها، وأقضي أزمنة في شعابها، مشدوهاً من تمايزها، ومشدوداً إلى ثناياها وتفاصيلها، منتشياً من ملذاتها، غارقاً في أديمها الذي قد يتحرك ليصير كل شيئ ممكناً، وتغدو أية خيبة متوقعة..
وحين تضيق الكوة، تنسحب المشاهد، وتختصر الأحداث. تتقاصر الأبعاد، ويختزل الفضاء. ينوس الضوء، حتى لأظن أن العمى في طريقه إلى عيني. فتغدوان بلا معنى حين تنغلق الكوة، ويسود الظلام، كأن شيئاً لم يكن.. ويدور تساؤل عاقر: هل كانت كوة حقاً؟! أم هذيان كائن حائر حالم؟!
*
خيوط المطر تتكاثف إبراً دقيقة طويلة، تنغرز في سطح الأرض..
هل يكفي هذا المشهد المؤثر وهذه اللحظات الأثيرة للإقناع؟! وكم من العواصف يلزم ليتلون الوجه الكالح؟! أو ليتم إرجاء البحث عن مشاريع استمطار تحتاج في أحسن حالاتها غيماً خصيباً؟!
معرضاً أطرافي ووجهي للبلل، أظل مشدوداً إلى الكوة برائحة معتقة غابت منذ زمن بعيد..
يطوف بي إحساس بالغمر.. طوفان يملأ الحفر والثغور؛ الماء يحملني، والماء يدثرني.. وأنا أتحرك دون مشقة.. منذ متى أعرف السباحة؟! وكيف لا أختنق؟!
سعيداً منتشياً أطوي قيعاناً متشعبة، أتجاوز الصخور والجروف.. أنسل عبر الموج الموتور.. أستريح فوق سرير لدن، وأحلم بسماء صافية وبرية واسعة وشاطئ طويل!
*
السماء صافية والمدى مكشوف، والأرض تستعيد حيويتها، بعد أن كادت تلفظ أنفاسها.
نسمات تعبر الكوة، دبيب البرودة يحفز المسام، ويوقظ التوق إلى تجاوز ما ينكشف للنظر:
الزرقة مركب مجنح ينفلت من رتابة اللون، ويغوص في عمق الظلام. فوانيس تضيء، وتختفي، وتنضب. الكوة تتسع باطراد، مدى فسيح وأبعاد تغري؛ ملامح انتصار. غرور وتبجح، تغافل واستهتار.. فوضى وجموح غافل.. عربدة وجنون.. تتكسر أشرعة، وتغور أضواء، وتختفي الجهات: ظلمة وتبدد وحيرة..
تتبخر النشوة، ويعود الكائن إلى حضنه، والمراقب المحموم إلى كوته، والخيال إلى ذاته، والتساؤل إلى نشاطه:
منذ متى أنا هنا؟! وماذا أفعل؟! من أين جئت؟! وما سر ارتباطي بهذا المكان وتلك الكوة؟! وهل أنفذ مهمة أم أمراً ذاتياً أم غاية مجهولة؟!
*
الذاكرة ارتداد قاصر إلى أزمنة ولت، وهيئات تبدلت.. إلى عراء فاضح وامتداد كسيح وغايات مبتورة!
أمداء ومراحل وحالات وأشكال تخطر في البال، فيستنفر أدواته المتهيئة والاحتمالية للربط بينها، واستقراء مواصفاتها، واسستنتاج مدلولاتها وتراتيبها والتكهن بما وراءها. لكن انقطاعات مهمة في الذاكرة التعبة، وعتمة في مقاطع منها، وحشرجات في منعطفاتها، تراكم الأسى والكآبة، وتضاعف العجز والخيبة، والخوف من الظلام الذي يسود. فلا أكاد أحس بما حولي. لكني أشعر بالرطوبة عالية، والأنفاس تتثاقل. ويزيد من حال الانضغاط الكامن إيقاعات تتردد أصداؤها؛ لا أستطيع تمييزها؛ هل هي نتيجة ارتطام نقاط الماء التي تنسرب من سطوح هذا المكان بالأرض؟! أم دبيب حشرات كثيرة في طقوس حيواتها المتنوعة؟! أم وقع خطوات قادمة أو مغادرة لكائنات أخرى في دورة حيــاة مغايرة، وملامح لا يمكن تحديدها في هذا الظلام المهيمن، والعزلة المفروضة، والخوف المقيم!
هل هي ريح أم أصداؤها تضرب أطراف هذا المكان؟! أو هي تتأهب لذلك؟!
أم ترددات أنفاسي المتعبة، بل أوهامي المتعاظمة؟! وربما فترة انعطاف حادة أخرى في مسيرة وجودي الغامض؟!
يا إلهي..!
كيف الخروج من هذا الحصار؟!
كيف يمكن التعرف إلى ما يحيط بي؟! والتكهن بما سيحدث لي؟!
أين أنا؟! ومن أين هبط كل هذا الظلام؟!
أين ذهبت الأضواء التي بهرتني؟! وكادت تحرقني؟!
آه.. أين الكوة التي كانت أمامي؟! وكنت أستمتع بالنظر فيها؟! أين ذهبت؟! منذ متى غابت؟!
سأبحث عنها؛ أين كانت؟! في أية جهة؟! لقد ضاعت الجهات..!
إلى أين أتجه؟! كيف أتحرك؟! الحركة صعبة.. الصخور والحفر.. الأخاديد والشروخ والنتوءات.. الجذوع والحجارة كلها تجاورني. والأصوات الغامضة تتضاعف؛ إنها تقترب!
هل ستفتح الكوة ذاتها أم كوات أخرى كثيرة؟!
هل ستبعثر المكان والأشياء والموجودات؟! هل ستحيل هذا المكان إلى أثر وذكرى؟!
وأنا.. ماذا سيحل بي؟! وكيف سألقى حتفي؟! وهل من منقذ؟!
الهلع يتزايد، والأصوات المدوية تجتاح المكان طاحونة هائلة. لم أعد أسمع أنفاسي، أفكاري، تخيلاتي..
الدوي يقترب..
والمكان بمن فيه وما فيه يهتز بقوة..
ويستسلم لأمر هائل!!

 

الكوة
الجدار
وليمة
قناعة
الإنجاز
ملاحقة
استقامة
الصوت
الثمرة
الخريف
             
مفازات
تلك الرحلة
المفتاح