| ألفرد دو موسيه وإرادة الحب / د. غالب سمعان/ دمشق - سورية إن أهم ما اتصف به الشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي ألفرد دو موسيه (1857-1810) Alfred de Musset، من الناحية السيكولوجية، هو حقيقة كونه إرادة تفرض إملاءاتها عليه، دون أن يكون قادرا على حرفها عن مسارها، حرفا يوحي بأنه ذلك الشاعر الذي يمتلك إرادة حرة، وغير قادرة على استعباده، وعلى استنفاذ مقدراته، من أجل تحقيق متطلباتها، التي لن يكون لها أن تتوقف إلا بانتهاء الحياة ذاتها، ومن الطبيعي أن تتوالى على الشاعر أطوار، تكون الإرادة فيها أقرب إلى التخامد والهدوء، وأطوار أخرى، تنطلق الإرادة فيها انطلاقها العاصف، ما دام متمحورا حولها، ودائرا في فلكها. وألفرد دو موسيه الذي لم يستطع دراسة أي فرع جامعي، كالحقوق أو الطب، ولم يستطع امتهان مهنة معينة، انصرف إلى الموسيقى والرسم، ووجد نفسه أخيرا، شاعرا، وكاتبا مسرحيا، معبرا عن مآتي الإرادة، التي تدفعه باتجاه العلاقات الغرامية، وباتجاه العربدة والمجون والعبث، وما كان في مقدوره الانصراف إلى الدراسة الأكاديمية العلمية، وإن جلسات التشريح التي حضرها، في مستهل دراسته للطب البشري، أصابته بالتقزز والهلع، وبالطبع توقف اهتمامه بهذا الفرع العلمي، على الفور، ثم أنه لم يكن قادرا على متابعة القضايا الفنية، متابعة نقدية، وكل ما كان في حوزته من قدرات، اقتصر على شاعريته، التي مكنته من التعبير، بنجاح تام، عن إملاءات إرادته، واندفاعاتها، التي لا تتوقف، باتجاه إقامة علاقات غرامية، بشكل دائم، على أن الحب الدنيوي لدى الشاعر الفرنسي، ارتبط بالألم ارتباطا وثيقا، وكان آلية تعويضية دالة على المعاناة، ومن الممكن افتراض وجود استعداد عصبي قبلي، للتألم العميق، الذي يتحول إلى ألم عقلي، فإلى نشدان للألم ذاته، وتمتع به، واعتراف بفضله، وبقدرته على السمو بالنفس البشرية، وعلى إيقاظ الطاقة الكامنة على الإبداع. www.tartoos.com وإن أهم علاقة غرامية في حياة ألفرد دو موسيه، هي علاقته بالكاتبة الفرنسية الرومانتيكية جورج صاند (1876-1804) George Sand، إلا أنه على خلافها، لم يكن قادرا على الخلاص نهائيا من إشراطات الإرادة، وإملاءاتها، في الوقت الذي امتلكت فيه قدرا من الإرادة الحرة، التي مكنتها من الدفاع عن نفسها، دفاعا، قادرا على تأطير التأثيرات التراجيدية، للحب وآلامه، وإن مجموعة قصائده (الليالي The Nights)، التي كتبها من أجل تمجيد علاقته الغرامية، مع هذه الكاتبة الفرنسية، إنما هي في جوهرها نوبات سيكولوجية، ألمت بالشاعر، بعد انقضاء العلاقة، وانطفاء جذوة الحب، فاشتعال الذكريات يؤدي إلى تهييج العواطف، التي مالت إلى التخامد والسكون، وهو ينكأ الجراح القديمة، ويدفع الشاعر إلى الكتابة، دفعا لا سبيل إلى رده، وكلما انحدر إلى علاقات غرامية رديئة، زاد تعلقه بالعلاقة الغرامية الأنبل، والأكثر أهمية، في حياته. www.tartoos.com وإن اتصافه بالدماثة والرقة، والميل إلى الصمت، الدال على شلل الإرادة، شللا مؤقتا، واندفاعه وراء الانفعال العميق، ووقوعه فريسة للتقلبات السيكولوجية، الدالة بدورها، على وجود خلل سيكولوجي قبلي، يقدم تفسيرا لظاهرة انحرافه عن الرومانتيكيين، وميله إلى الرؤية الأبيقورية Epicurean، وإلى نوع من المثالية، كمحاولة للتعالي على الإرادة، والخلاص من إشراطاتها، ومع ذلك فإن الافتراق عن الرومانتيكيين غير كبير، وجورج صاند تعبر بطريقة مشابهة لطريقته، عن الحب وآلامه، وعن عدم قدرتها على التخلص منه، وهي تلوذ بالطوباوية الرومانتيكية، من أجل التخلص من أعبائها السيكولوجية، في حين أنه يرى في الموت وحده، الكيفية التي ستمكنه من الخلاص، وفي هذه الحالة ثمة مؤشر، على أنه خاضع حتى النهاية للإرادة، وإن انتظاره الموت بهذه الطريقة، دال على الافتقار للإرادة الحرة، افتقارا جليا، فالموت في هذه الحالة يختاره، وهو لا يختار طريقة موته، وجبران خليل جبران (1931-1883) الذي ينظر إلى الموت باعتباره معبرا إلى العوالم الماورائية، يتحدث في كتابه (النبي)، عن الانسياب في تياره، والتلاشي به، وثمة إشارة إلى تحرير الإرادة، من دورانها المتصل، وإفساح المجال أمام النفس كي تتحد مع الملأ الأعلى، والإرادة الجبرانية غائية مثالية، وقادرة على التعبير عن ذاتها، باعتدال وحكمة، وهذا كله، لا وجود له لدى الشاعر الفرنسي، الموضوع تحت تصرف إرادته، التي لها وحدها، حق اختيار الميقات، الذي ستنتهي فيه حياته. www.tartoos.com ولا يمكن فصل السعادة عن الألم، لدى ألفرد دو موسيه، والسعادة ذاتها لا يمكن فصلها عن الشهوة، ولن يكون بالإمكان التحدث عن غير الحب الشهوي، فما من اعتراف بغيره، والألم موجود قبليا، والحب قادر على تخفيف حدته جزئيا، إلا أن قدرته هذه، تتراجع مع توالي السنين، إلى أن يتمكن الألم من الشاعر، تمكنا تاما، وجورج صاند تتحدث عن لعنة حلت به، وأفقدته القدرة على الاستمتاع بالحياة، إلا أن الحقيقة هي أن ثمة خللا سيكولوجيا، يمنعه من التمتع بالحياة، ويجعله بائسا بالرغم من توفر الحب، في حياته، على نطاق واسع، أي أن الحب ذاته لم يكن قادرا على إنقاذه من قدره الأليم، ويبدو أن لدى الشاعر الروماني الأبيقوري لوكريتوس (55-98) Lucretius ق. م. طريقة أخرى، من أجل التعامل مع هذه الأحوال، وهو الذي دعا إلى عدم الوقوع في الحب، وقوعا غير قابل للشفاء، مما دفعه إلى الاعتراف بالشهوة، التي لا تترافق بعاطفة الحب، وهذه الرؤية تجعل الافتراض الذاهب إلى علوقه في شباك الحب، علوقا، أودى بحياته، وأدى إلى انتحاره، افتراضا واقعيا، أي أن استنكاره للحب كعاطفة، ناجم عن تجاربه الذاتية، التي أورثته آلاما، لم تستطع متع الحب إقصاءها، لا بل أن سيكولوجياه الذاتية لم تكن قادرة على احتمال عاطفة الحب، مما جعله يستنكره، ويمتدح الشهوة التي لا تترافق به. www.tartoos.com ومن ناحية أخرى، تبدو ظاهرة الألم فريدة بالفعل، ووراءها يتخفى الاستعداد السيكولوجي الذاتي، الذي يعني وجود قابلية حقيقية للتألم، ولسوف يكون بالإمكان العثور على ظاهرة تحمل الألم، تحملا لانهائيا، لدى الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (1973-1904) Pablo Neruda ، إلا أنه الاحتمال الأخلاقي الغائي، القادر على الانتصار لقضية الحرية، دون أن تكون له هذه المعاني لدى الشاعر الفرنسي، الذي يتألم تألما ذاتيا، وإن تحمل الألم يتطلب وجود قدرة على امتصاصه، وتحويله إلى متعة وسعادة، بطريقة أو بأخرى. والشاعر، ألفرد دو موسيه، يتحدث عن حبه للكاتبة الرومانتيكية جورج صاند، وهو الحب الذي انقضى، مخلفا وراءه آلاما مبرحة، وكان له الفضل الأكبر في إنضاجه، وتحويله من طفل عابث إلى رجل، فالألم ذاته يمتلك القدرة على إنضاج السيكولوجية، أي على دفعها في الطريق المقدرة لها، وكلما زاد اندفاعها، كلما زاد تعرفه عليها، وافتخاره بمكنوناتها، وهو ينظر إلى حياته السيكولوجية كمنوالية لها قيمتها، ويعتبرها مشروعا حياتيا حقيقيا، وأهم ما يميزها هو الانحطام الموصول، الذي ينطوي على فكرة إعادة بناء النفس، وتطهيرها، وصقل الذكاء والإرادة، فالألم هو المعلم القادر على الإتيان بهذه الإنجازات السيكولوجية، ولا يمكن فصل المعاناة عن السعادة، وهو يشعر بالوهم والخداع، إلا أن الحب يظل حقيقة، باعتباره الإرادة، وبالإجمال يمكن اعتبار الآفات السيكولوجية التي تكاثرت عليه، كتلك التي تتكاثر على الجسم، وتؤدي إلى الوفاة، وبالرغم من كل ما يقال عن السعادة والتوازن والهدوء، فإن الثابت هو الآفات السيكولوجية المتكاثرة، والقادرة على إنهاء حياة الشاعر. www.tartoos.com أما الصراع بين الأبيقورية والمثالية، لدى ألفرد دو موسيه، فهو الصراع الذي انتهى لمصلحة الميل الأبيقوري، مما فرض على المثالية أن تبقى مقيدة إليه، ولم يكن لدى الفيلسوف اليوناني أبيقورس (270-341) Epicurus ق. م. صراع مماثل، بل هو انتقل من الرغبات الطبيعية الضرورية، والرغبات الطبيعية وغير الضرورية، إلى الحياة الزاهدة، عبر منوالية سيكولوجية موصولة، ثم أنه الفيلسوف الذي امتدح المتع العقلية، على حساب امتداحه للمتع الحسية، وهو وإن اعتبر اللذة، الغاية الرئيسية في الحياة، إلا أنه دعا إلى الاعتدال والتبصر والحزم، ورفض النوع الثالث من الرغبات، التي هي رغبات غير طبيعية وغير ضرورية، كالإدمان، والانصراف إلى حياة المتع، انصرافا، بعيدا عن مبادىء الاعتدال والحكمة، أي أنه الفيلسوف الذي اعترف بالإرادة الحرة الحكيمة، ورأى في الحياة البسيطة الزاهدة، معبرا إلى السعادة. وإلى ذلك، فإن المتعة وفق رؤاه الفكرية، تستهدف إقصاء الألم بعيدا، والحكيم هو ذلك النموذج البشري الذي يتمكن من إقصاء الألم الجسدي والألم العقلي، بعيدا عنه، ويظل في حالة من الارتياح النفسي، على أن يكون للمتع دورها الهام في تحقيق هذه الغاية. www.tartoos.com وفي مقابل هذه الرؤى الفكرية، فإن ألفرد دو موسيه، لم يكن قادرا على الأخذ بأي منها، فما من اعتدال أو حكمة في أدائه الحياتي، وما من إرادة حرة، تمكنه من وقف اندفاعه باتجاه الرغبات، التي اعتبرها أبيقورس غير طبيعية وغير ضرورية، ثم أن انصرافه إلى العلاقات الغرامية، انصرافا تاما، يعني أن هذا النوع من الرغبات الطبيعية وغير الضرورية، قد تحول إلى رغبات من النوع الثالث، والأهم من هذا كله، هو أنه لم يكن قادرا على إقصاء نوعي الألم الجسدي والعقلي، بعيدا عنه، ولقد انتهى الحال به إلى استعذاب الألم ذاته. والواقع أن كونه إرادة، غير قادرة على الاتصاف بالاعتدال والحكمة، ورفضه استدعاء العقل، من أجل وقف جنوح الإرادة، باتجاه العلاقات الغرامية العابرة، وباتجاه العربدة والمجون، يعني أننا حيال إرادة لاعقلانية، اتخذت الحب موضوعا لها، ولسوف يكون بالإمكان اعتبار الرؤية الفكرية التي أقرها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1860-1788) Arthur Schopenhauer، في سياق تحدثه عن العلاقات الغرامية، رؤية صائبة، عندما يتم إسقاطها على الشاعر الفرنسي، فما يحرك البشر هو إملاءات الإرادة، وليس عاطفة الحب، وإرادة الحب تعني الانطواء على الدافع الجنسي، بأكثر مما تعني الانطواء على الحب كعاطفة، وإن تعلق ألفرد دو موسيه بالمرأة، واحتقاره لها، دال على خضوعه للإرادة، وعلى رغبته في التملص منها، غير أنه واظب على رفض استدعاء العقل، من أجل كبح الإرادة، وآثر الاعتراف بالأخلاقية التقليدية، المستمدة من ذاته، وليس من أية تعاليم، واندفع أخيرا، تحت وطأة اليأس، باتجاه إقرار الألوهية، باعتبارها الأمل واليقين.www.tartoos.com / د. غالب سمعان/ دمشق - سورية |