العودة الى صفحة أدب وفكر  
       
 
 
محمد شكري .. قضايا وإشكاليات
 
د. غالب سمعان/ دمشق - سورية
 
إن سيرة حياة الروائي العربي المغربي محمد شكري (2003-1935)، سيرة تنطوي على عنصر المفاجأة، لكل من يطلع عليها، والمقصود هنا السيرة الذاتية المكتوبة بقلم الكاتب، والمعروضة في كتابيه الهامين (الخبز الحافي) و(الشطار)، وعنصر المفاجأة يتأتى من الصراحة الشاملة التي تحدث بها الروائي، وما من ضير في هذا، وهو يحدثنا عن مطالع حياته، وما رافقها من تشرد واغتراب، وانكباب على التدخين والخمر، والعلاقات الجنسية، والحشيش والكيف، في بيئة مدينة طنجة على الأخص، بالإضافة إلى مدن تطوان والعرائش ووهران، في العشرين عاما التي سبقت حصول المغرب على استقلاله، ورحيل القوات الفرنسية والأسبانية عن أراضيه. والسيرة الذاتية يلفها البؤس، الذي يتفاقم إلى أن يصل إلى درجات غير متوقعة، فالحرمان والجوع والشقاء البشري، تتطاول كلها إلى حدود أليمة وفاجعة، والروائي محمد شكري يحيا في هذه البيئة، سنوات حياته الأولى، ويعاني معاناة هائلة من الجوع والتشرد، والقهر الاجتماعي، بالإضافة إلى المرض، والظلم الذي يلقاه من أبيه، الطاغية المتحكم في شؤون الأسرة، تحكما فظا، ولا مبرر له، على أن ظاهرة البؤس الذي تعاني منه البيئة، التي نشأ فيها الروائي، ومعاناته الذاتية من البؤس، تظل الظاهرة الأبرز، والمعاناة ذاتها طويلة الأمد، ولن يكون بالإمكان نسيانها، أو تجاهل تأثيراتها. وفي أحد النصوص، يصف الروائي تفاقم البؤس إلى درجة مؤثرة، وقادرة على تغيير النموذج البشري، من الداخل، تغييرا نوعيا، لكن رفض البؤس المفروض على الواقع، يظل موقفا إنسانيا قائما، ومحمد شكري ينفر منه، ومن كافة مظاهره، التي تتضمن الجهل والحرمان، والجوع والمرض، وهو يطمح في بداية العشرينات من عمره، إلى تعلم القراءة والكتابة، والتطهر من العفن البشري، الذي عاينه في حياة التشرد، والتنقل بين الأعمال المختلفة، وتصريف الوقت في الحانات والمواخير، والبديل الذي يطمح إليه، يعني تأسيس حياة اجتماعية، ينتفي فيها الاستغلال والجهل، وتشيع فيها الوفرة، والقدرة على العيش باطمئنان وأمان.www.tartoos.com
 
على أن الحياة البائسة تبدو، لدى كثيرين، مطلوبة لذاتها، وفي هذه الأحوال تختار الإرادة البشرية مصيرها بذاتها، دون أن تكون الحياة البائسة مفروضة عليها من عل، ومترافقة مع الانحطاط والتخلف، على المستوى الاجتماعي، وغيره من المستويات الحياتية، فالشاعر العربي العراقي أحمد الصافي النجفي (1977-1894) يحيا حياة زاهدة تماما، وهو يتغنى بالبؤس، ولا ينفر منه، ومشروعه الأدبي يهدف إلى ترسيخ القيم الأخلاقية، وتوطيد أركانها، وهو ينطوي على إيثارية تامة، غير أن هذا كله اختيار حر، والبؤس غير مفروض على الإرادة، على ما هو عليه الحال في سيرة محمد شكري الذاتية، ولدى الشاعر العربي اللبناني فوزي المعلوف (1930-1899)، يبدو أن الإحساس الفاجع بالبؤس، هو الدافع الذي أملى عليه قصيدته الملحمية الخيالية (على بساط الريح)، وبالطبع لا يسع المرء إلا أن يتعاطف مع المعاناة البشرية، دون أن يكون التعاطف نوعا من الإحسان الأناني، وأكثر من هذا، فإن المفكر والعالم الفرنسي بليز باسكال (1662-1623)، يقرر أن الإنسان بائس دائما وأبدا، وهو عظيم لأنه على دراية بالبؤس، الذي يستبطن الحياة، وهو المفكر الذي نشأ في عائلة على جانب من اليسار، وأتيحت له فرصة التعلم الباكر، وفرصة إظهار ملكاته العلمية والفكرية، دون وجود عوائق ذات وزن كبير، بالإضافة إلى قدرته على التمتع بالحياة، وارتياد الصالونات الأدبية والفكرية، والتعرف إلى جمهرة من الأدباء، العاملين في هذا الحقل. وفي سيرة محمد شكري الروائية إشارة إلى عالم فردوسي، تعم فيه السعادة، وينتفي منه كل معلم من معالم الشقاء، وهذه الإشارة من صنع الخيال، وفي البيئة الشعبية التي نشأ فيها، سيكون بإمكان الجماعة التي ينتمي إليها، أن تحول الخيال إلى واقع، بطريقة أو بأخرى، وهو ما يبدو في النص الذي يتطرق فيه الكاتب إلى الحفلات، التي اعتاد أبناء الطبقة الشعبية إقامتها في البستان، كل أسبوع، والكاتب يصف المشهد بأنه "الجنة" وثمة استعانة بالحلم أيضا، من أجل تخفيف المعاناة، إلا أن ظاهرة التخيل والحلم لا تتخذ لنفسها اتجاها ثابتا، ينطلق باتجاه الخلاص، دون انزلاقات وتعثرات، والأهم من هذا، هو إدراك التردي الذي تنطوي عليه حياة التشرد والجهل، وطموح الكاتب إلى بناء حياة أفضل، تتحقق فيها العدالة الاجتماعية، وتحفظها القيم الأخلاقية من الانحطاط والتردي.www.tartoos.com
 
ومما يستحق التوقف عنده في سيرة محمد شكري الروائية، العلاقة المختلة التي ربطته بوالده، والتي تركت بالإضافة إلى حياة التشرد والحرمان، أكبر الأثر عليه، فالوالد الذي يفشل في أداء واجبه التربوي، في ظل الظروف البائسة، يمارس على ابنه وزوجته طغيانا فجا، وهو يعمد إلى ضربهما بعنف، إلى حد الإيذاء الشديد، وأكثر من هذا، فإنه يقتل ابنه الآخر عبد القادر، لمجرد أنه يبكي تحت وطأة الجوع الشديد، والروائي يذكر هذه الواقعة، في بداية سيرته الذاتية، وفي نصوص تالية يذكر مواصلة والده لسلوكه الطغياني، واعتماده الضرب العنيف، وسيلة من أجل قهره، وقهر والدته، دون أن يكون لهذا السلوك ما يبرره، اللهم إلا الاختلال الذي يعاني منه هذا الرجل، وإن التأثير الذي يتركه على ابنه غير قابل للزوال، وما من مصالحة على الإطلاق، فالإيذاء تطاول إلى حد كبير، ولن تكون المصالحة ممكنة أبدا، وكان المفكر الإيطالي جياكومو ليوباردي (1837-1798)، قد عانى من استخفاف والديه بمقدراته، مما أدى إلى إيذائه إيذاء معنويا عميقا، وعندما تبين أنه كاتب ومفكر من الطراز الرفيع، كانت إمكانية المصالحة مع الوالدين قد زالت تماما. وفي هذه الحالة أيضا، ثمة إرادة تفرض ذاتها على إرادة الروائي محمد شكري، وهو يحاول التخلص منها، والاستقلال بإرادته بعيدا عنها، وفي رواية (إيفالونا)، للروائية التشيلية إيزابيل ألليندي، يعامل لوكاس كاردييه أبناءه وزوجته بعنف بالغ، ويفرض عليهم طغيانه الفج، وعلى التلاميذ الذين يدرسهم في المدرسة، وهم يتكاتفون من أجل الخلاص من طغيانه، ويقتلونه في أثناء قيامهم بالرحلة السنوية إلى الغابة. والظاهرة على المستوى السيكولوجي، لا تختلف عن ظاهرة الطاغية الذي يتحكم في شؤون جماعة معينة، وبالطبع فإن الروائي يتجاوز والده إلى مستويات أنبل من الناحية الاجتماعية والمعرفية، والمرء يتمنى دائما، أن تكون الإنجازات التي يقوم بها السابقون أكثر رقيا، كي تكون إنجازات اللاحقين أعظم منها وأرقى، فالمعري (1058-973)، الذي تلقى عن والده المعرفة والعلم، وتطبع بالأخلاقية، تطبعا عميقا، تابع المشروع الأخلاقي الذي انتهى بوالده، وتخطاه إلى عوالم أبعد من الأخلاق ذاتها، في بعض من قصائده، وهنا يشعر المرء بالارتياح والسرور، فالانتقال من حالة جيدة إلى حالة أجود، لا يتم إلا عندما تنتفي المعوقات البيئية، التي كان على الروائي محمد شكري أن يعاني منها.www.tartoos.com
 
وفي السيرة الذاتية، ثمة توصيف لطبقة اجتماعية واحدة، هي الطبقة الشعبية، التي انتمى إليها الكاتب انتماءا تاما، وثمة إشارات إلى الطبقة الأغنى، على أن الكاتب ظل على وفائه للطبقة الشعبية، وفي عدة نصوص يحاول تتبع أخبار الشخصيات، التي التقى بها، تتبعا دالا على اهتمامه بمصائرها، وتعاطفه مع أحوالها، وما آلت إليه، ويبدو أن الأحداث كلها، تنتمي إلى دائرة المتحول والعابر، دون أن تكون هناك قدرة على تجاوز هذه الدائرة، والنماذج البشرية المحكومة داخلها، غير قادرة على اكتشاف حقائق حياتية، أعمق مما هو متحول وعابر، وهي لا تعبر تعبيرا جليا عن توقها إلى ما هو دائم وثابت. وفي هذه الأجواء البائسة، لن يكون بالإمكان إغفال الدور الذي قام به الاستعمار، ممثلا في القوات الفرنسية والأسبانية، وهو الدور الذي أدى إلى التخلف والجهل والبؤس، وتردي الأحوال باتجاه المجاعة، والمعاناة الأليمة، والكاتب يتحدث بصراحة، عن علاقاته الغرامية، وتجاربه الجنسية، وكلها علاقات وتجارب عابرة، وما من إمكانية لوجود صيغ من الحب المثالي، على أن الكاتب يحاول الارتقاء بحبه، إلى مستويات أنبل على الدوام، ولكنه يرفض الحب المثالي، والحب العذري، وما من ضير في هذا، فالحب الشهوي هو المنفذ الوحيد الذي تبقى، من أجل اقتناص قدر من السعادة والمتعة، والبيئة التي تفرض عليه اللجوء إلى العنف، تدفعه بقوة باتجاه إقامة علاقات غرامية، وباتجاه تعاطي الخمر والحشيش والكيف، إلا أن العنف يظل من أجل الدفاع عن النفس، فالكاتب لا يعتدي على أحد، وهو يدافع عن نفسه، عندما يعتدي عليه أحدهم، أي أنه العنف الذي لا يترافق مع أي ارتياح أو رضى، أما العلاقات الغرامية فلها متعها، وكل شيء في البيئة، يدفع باتجاه الاحتفاظ بالقوتين الغضبية والشهوية، مع إعمال العقل، من أجل تحقيق الغلبة في الصراع من أجل البقاء، في تلك الأجواء القاسية، والواقع أن كل شيء كان يدفع باتجاه تحفيز القوى، وإبقائها مستنفرة ومتيقظة، وفي النص الروائي، لا يبدو أن محمد شكري قد تمكن بحكم الظروف، من تجاوز الحب العابر، إلى نوع أكثر تساميا، على أنه كأي إنسان ظل متعلقا في قرارة نفسه، بما هو عظيم ونبيل، والظاهرة موجودة على نطاق واسع، فألفرد دو موسيه (1857-1810)، الشاعر الفرنسي، يندفع وراء العلاقات الغرامية العابرة، ويحيا حياة تنطوي على المعاناة والمرارة، وعلى استعذاب الألم، وفي قرارة نفسه، ينظر إلى علاقته الغرامية مع الكاتبة الفرنسية الرومانتيكية جورج صاند (1876-1804)، باعتبارها الحب الأعظم والأنبل في حياته، وجبران خليل جبران (1931-1883)، الذي أنشا علاقات غرامية متعددة، توقف تحديدا عند حبه المثالي لسلمى كرامة، واعتبره الحب الذي ينبغي تخليده وتأبيده. وفي تلك الفترة من حياته، لم يكن أمام الروائي محمد شكري خيارات كثيرة، ومن الطبيعي أن يهتم بشاعر كمهيار الديلمي (توفي 1036)، وان يحفظ قصيدة غزلية من نظمه، عن ظهر قلب، دون أن يعير اهتماما كبيرا لشاعر فيلسوف كأبي العلاء المعري، هذا بالإضافة إلى أن مهيار الديلمي أقرب إلى القاع الاجتماعي، وهو الذي كتب في الغزل الوجداني الرقيق، والرثاء والاخوانيات، والعتاب وشكوى الزمان، وفي وصف الإسطرلاب والطبل، والسمك والشمع.
www.tartoos.com
ومما يميز الطبائع الشعبية التي يتحدث عنها الروائي محمد شكري، محاولاتها الارتقاء بواقعها وذواتها، وانطوائها على القيم الأخلاقية، بالإضافة إلى مظاهر ترديها في كثير من الأحيان، وهي المظاهر التي يرفضها، رفضا تاما، ولا يستطيع تقبلها، فالانحدار وتجلياته، على المستويين الجسماني والنفساني، ينفر الروائي تنفيرا عميقا. وعلى مستوى القوة الشهوية، كان عليه أن يدخل في مواجهات عنيفة مع عدد من الشاذين جنسيا، أما على مستوى القوة الغضبية، فلا يبدو أن الروائي ممن يقرون أعمال الشغب، والقتل العشوائي، وبالرغم من أن مقارعة الاستعمار واجب وطني، إلا أن الانحراف باتجاه أعمال القتل، التي تطفو من خلالها الأميال الوحشية البشرية، تظل مما هو مرفوض، والكاتب ذاته في إحدى مواجهاته، يذهب في هذا الاتجاه، في سياق دفاعه عن نفسه، ورفضه لما هو شاذ في الطبيعة البشرية، وبالرغم من أن إمكانية تبرير الحدث ممكنة، إلا أنه ينتهي بانخراطه في البكاء، مما يعني ترفعه عما هو غير لائق بإنسانية الإنسان، من الناحية الجوانية النفسانية. وأمام واقعية التردي البشري، هناك اعتراف بالمهمة التي يتوجب على الفن القيام بها، من أجل إعلان الجمال كبديل للقبح، على ما هو عليه الحال لدى الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1867-1821)، على أن السعادة تظل وهما، وهو ما يقرره الكاتب، في حوار له مع واحدة من عشيقاته العابرات، فالمعاناة حقيقة جوهرية، والأخلاق والفن والمتع الحياتية، لها دورها الإيجابي، على المستويين الاجتماعي والفردي، ومع ذلك فإن السعادة تظل بعيدة المنال، وعلى المرء أن يحيا الحياة، وما من سبيل آخر أمامه، وعليه أيضا أن يتصالح مع ذاته، ومع المدينة التي ينتمي إليها، ومع العالم على ما هو عليه.
www.tartoos.com
د. غالب سمعان/ دمشق - سورية