|
أبو القاسم الشابي وإرادة الحياة
د. غالب سمعان
دمشق - سورية
إنه لفي مقدور القارئ أن يعثر لدى أكثرية من الأدباء، على إشادة بالحياة
الأخلاقية الخيرة، وخشية أو خوف من التردي البشري في الاتجاه المعاكس، المؤدي
إلى الآثام والشرور في السياق الاجتماعي الحياتي، وفي السياق الذي ينطوي على
العلاقات بين الجماعات والدول والأمم، فالسيكولوجية البشرية الأخلاقية الخيرة
تترافق مع شيوع السلام ومع ازدهار العلوم والفنون، على خلاف السيكولوجية
البشرية المتردية في أخلاقياتها، والتي تؤدي إلى دمار القيم وانحدار الحضارة.
وإن الدعوة إلى الحياة الأخلاقية الخيرة تترافق لدى أكثرية الأدباء مع الدعوة
إلى الاحتفاء بالحياة، وهو الاحتفاء المترافق مع السعادة والفرح الناجمين عن
امتلاك القدرة الحقيقية على تحرير الأحاسيس البشرية، والتوحد مع الظاهرة
الحياتية، ومع تكرارية الفصول الأربعة.
www.tartoos.com
وإننا نجد الدعوة إلى تحرير
الأحاسيس البشرية وإلى بناء حياة أخلاقية خيرة لدى كتاب عالميين من أمثال
الفرنسي أندريه جيد (1869-1951) والإيرلندي أوسكار وايلد (1854-1900)، وفي
أدبنا العربي الحديث نجد الدعوة المذكورة على أوضح ما يكون في قصيدة (إرادة
الحياة) للشاعر العربي التونسي أبي القاسم الشابي (1909-1934)، والواقع أن
دعوته إلى الاحتفاء بالحياة وهو الشاعر الرومانتيكي، إنما هي دعوة إلى تحرير
الأحاسيس البشرية الرومانتيكية في السياق الاجتماعي الحياتي، القائم على أسس
الحياة الأخلاقية الخيرة، ولا بد من أجل تحقيق هذا الهدف من توفر البيئة
الحرة، ومن زوال أي شكل من أشكال الطغيان أو الاحتلال الأجنبي، لا بل أن
الشاعر يرى أن قدرة الشعب على تحرير أحاسيسه، وعلى بناء حياة خيرة في واقعه،
هي قدرته الوحيدة الكفيلة بتحريره من القيود التي يفرضها الاحتلال الأجنبي
على مقدراته، ومن ثم فإن الروح الرومانتيكية والحياة الأخلاقية الخيرة
والطموح البشري النبيل تتلاقى كلها، وتكون السيكولوجية البشرية الأخلاقية
الظامئة إلى معانقة الحياة والكون، والتوحد مع الظاهرة الحياتية، وبالفعل فإن
الطموح الذي يعنيه الشاعر أبو القاسم الشابي هو الطموح الذي يمكن الشعب وكل
فرد من أفراده من معانقة شوق الحياة، والانتصار على العدم
Nonexistence.
والموقف الذي يعلنه الشاعر
ينسحب على العالم بأكمله، وعلى كائناته ومخلوقاته، وهو موقف وجودي بالمعنى
الفلسفي للكلمة، وهكذا فإن تحرير الأحاسيس وبناء حياة أخلاقية خيرة يترادف مع
الوجود المكتمل والناجز، على حين يترافق خمود الأحاسيس وتبلدها مع حياة غير
أخلاقية أو خيرة، ومع انحدار يقيني باتجاه العدم والاستسلام والخنوع: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر فويل لمن لم تشقه الحياة من صفعة العدم المنتصر كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر www.tartoos.com ومن اليقيني أن القدرة الحقيقية على التوحد مع الظاهرة الكونية الطبيعية، هي القدرة الجوهرية التي يمتلكها الشاعر العربي أبو القاسم الشابي، والتي مكنته من التحول إلى الشاعرية الرومانتيكية وإلى الإيمان بالظاهرة الكونية الطبيعية، وما تنطوي عليه من حياة متوقدة ومتوثبة في تمظهراتها وفي رغائبها، وهنا نكتشف أن الحياة ذاتها تترادف مع الإبداع والخلق، فالاحتفاء بالحياة هو احتفاء بالإبداع والخلق، والحياة الوجودية الحقيقية هي الحياة الرومانتيكية القادرة على تحقيق ذاتها، أي على إبداع ذاتها وخلقه. والشاعر الذي يقتبس جوهر الظاهرة الكونية الطبيعية ويتوحد مع روحها، يعبر عن الذاتي والموضوعي Subjective & Objective في الوقت ذاته، وهنا تكمن عبقريته وأسرار عظمته وشيوع أشعاره في الوطن العربي الكبير، وما تكراره للأفكار الجوهرية التي هي تحرير الأحاسيس وبناء الحياة الخيرة، والطموح البشري الذي هو انتقال من العدم إلى الوجود الفاعل والحقيقي، غير دليل على تحققها في ذاته على نحو مكتمل وناجز. www.tartoos.com وبالطبع فإن الدعوة إلى الحياة الكريمة الحرة وفق الشابي، تكتسب أبعادا متعالية Transcendental، ما فوق واقعية، وأبعادا واقعة ما وراء الإدراك العقلي الحسي العادي، وهو أمر منتظر ما دام الشاعر طامحا إلى التوحد مع روح الكون، والتحول إلى ناطق حق بلسانها الحق: وقالت لي الأرض لما سألت أيا أم هل تكرهين البشر أبارك في الناس أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطر وألعن من لا يماشي الزمان ويقنع بالعيش عيش الحجر هو الكون حي يحب الحياة ويحتقر الميت مهما كبر وإن الانتقال من العدم إلى الوجود الحي له تمظهره في السيكولوجية البشرية، وفي الطبيعة بالكيفية ذاتها، فالسيكولوجية البشرية تنطوي على الحياة، وإنجازها حياتها هو تحققها الوجودي، وغاية وجودها ذاته، وبالمثل فإن الطبيعة التي تتعاقب عليها الفصول، والتي تنطوي على فصولها الأربعة، تنطوي كذلك الأمر على الظاهرة الحياتية المحتفية بذاتها، فالعدم الحقيقي لا وجود له، لأن الحياة تظل كامنة ومضمرة في البذور، وفي السيكولوجية البشرية غير المتحققة، وما الوجود الحقيقي غير إخراج للشعلة الحياتية الكامنة إلى حيز الوجود الحق، عبر تحويلها إلى شعلة حياتية حقة، فالروح مبثوثة في الكون، والعدم الحقيقي لا وجود له. والواقع أن هذه الخبرة الماورائية Metaphysical Experience التي تأتت للشاعر الشابي خبرة ناجزة، ودالة على اكتمال موهبته الرومانتيكية. www.tartoos.com والشاعر السائر باتجاه التحرير الشامل للأحاسيس، يجد نفسه بالرغم من ذلك سائرا باتجاه التخامد السيكولوجي، وهو يتحدث عن الصورة الطبيعية المعبرة عنه والمتمثلة بالخريف، فالذبول سيد الموقف، وهو الذبول الذي يتطاول كي يتحول إلى انطفاء للسحر، وإلى فناء غير تام، بالنظر إلى أن الحياة الحقة تظل كامنة في البذور، وهنا يبرز الذاتي في موازاة الموضوعي تماما، فالسيكولوجية الرومانتيكية التي للشاعر تتحول من الاحتفاء بالحياة إلى الحزن والأسى والضجر، وبالفعل فإن هذه الظواهر السيكولوجية دالة دائما وأبدا على عدم تحقق الذات تحققا تاما، بالمعنى الوجودي الفلسفي: وفي ليلة من ليالي الخريف مثقلة بالأسى والضجر سألت الدجى هل تعيد الحياة لما أذبلته ربيع العمر فلم تتكلم شفاه الظلام ولم تترنم عذارى السحر وقال لي الغاب في رقة محببة مثل خفق الوتر يجيء الشتاء شتاء الضباب شتاء الثلوج شتاء المطر فينطفئ السحر سحر الغصون وسحر الزهور وسحر الثمر وتبقى البذور التي حملت ذخيرة عمر جميل غبر www.tartoos.com وفي الأدب العالمي، نجد لدى الشاعر الرومانتيكي الروسي الكبير ألكسندر بوشكين (1799-1837) دعوة إلى الاحتفاء بالحياة، وإلى تحرير الأحاسيس وبناء حياة خيرة، على المستويات الوطنية والقومية والأممية. والشاعر الروسي يعبر في قصيدته التاسعة والأخيرة في مجموعة قصائده (قبسات من القرآن) عن فكرة البعث Resurrection، وما تنطوي عليه من أبعاد واقعية وأبعاد ماورائية ما فوق واقعية، فالبعث ذاته بعثان واقعي وما فوق واقعي ماورائي، وعابر السبيل السائر في الصحراء يعاني من التعب والإرهاق، بفعل الظمأ والعوامل الطبيعية من مثل القيظ والغبار، وهو يتجه إلى اليأس الذي يتوازى مع الاتجاه إلى العدم، وما يرافقه من حزن وأسى وضجر في قصيدة أبي القاسم الشابي، على أن الحنين لدى عابر السبيل حنين مؤمن بذاته، وطامح إلى تحقق موضوعه في الواقع العياني الملموس. والحنين والشوق اللامتناهيان هما الإيمان ذاته وليسا أي شيء أخر، ومن الطبيعي أن تفتر الهمة وأن يتسرب الارتياب إلى القلب المؤمن، لكنه الارتياب الطبيعي الذي لا يملك القدرة على إلغاء الظاهرة الإيمانية، فالارتياب دال على الإرهاق والتعب، وليس على التراجع والنكوص باتجاه عدم التصديق، والسيكولوجية ذاتها مؤمنة وقادرة على بذل المجهودات الروحية الذاتية، وعلى معاودة بعث الإيمان الذاتي مرارا وتكرارا. ولا غرابة في ظاهرة الإرهاق والتعب ما دامت طريق الروح طريقا صاعدة وليست طريقا هابطة بأي حال من الأحوال، وكان الفيلسوف الرواقي الروماني لوسيوس أنيوس سنيكا (4 ق. م. – 65 م) قد أكد أن بذل المجهودات الروحية الذاتية من شيم الكرام، وأن العاقدي العزم على بذلها هم القادة الروحيون القادرون على بث الحماس الروحي فيمن حولهم. وظاهرة الارتياب ذاتها بالمعنى المذكور واردة على نحو لافت في قصيدة أبي العلاء المعري التي رثى بها والده، فالمعري (973-1058) في قصيدته مؤمن، وارتيابه واقع داخل نطاق الظاهرة الأخلاقية الإيمانية، وليس ارتيابا مستقلا ومفصولا، أي أن ارتياب المعري في قصيدته دال على المعاناة الفكرية والوجدانية، ولكنه الرجل القادر على بذل المجهودات الروحية الذاتية. www.tartoos.com وبالطبع لا يمكن الفصل بين الأخلاق والإيمان لدى النماذج البشرية المذكورة، فالأخلاق مقدمة لا غنى عنها من أجل الظفر بالإيمان الحقيقي الذي تحدث عنه الفيلسوف الدانماركي سورن كيركجارد (1813-1855) باستفاضة، وهو الإيمان الحقيقي الذي يعني أننا إزاء فرسان الإيمان الحقيقيين، وبالفعل فإن عابر السبيل الذي يصفه الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين هو واحد من فرسان الإيمان الحقيقيين الذين عناهم الفيلسوف الدانماركي في فلسفته: وتذمر إلى الله عابر السبيل المتعب فقد أضناه الظمأ والحنين إلى الظل وضل في الصحراء ثلاثة أيام وثلاث ليال وأرهق القيظ والغبار مقلتيه وبحسرة يائسة استدار حوله فشاهد فجأة بئرا تحت النخلة وعابر السبيل تواق إلى الحياة الكريمة الحرة، وإلى معانقتها والاحتفاء بها، والانبعاث هنا واقعي وما فوق واقعي، فالانبعاث الأول يمثل الحياة الدنيوية القابلة للتردي باتجاه اليأس، والانبعاث الثاني هو الانبعاث الأبدي الذي هو معانقة أبدية للحياة وأشواقها، على ما هو وارد في قصيدة الشابي. ومن الطبيعي أن يترافق التوصيف الذي يقدمه الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين بالحياة الأخلاقية الخيرة، فالتحرير الشامل للأحاسيس مكتمل وناجز في النطاق الحياتي الدنيوي، والطموح الموصوف هو الطموح ذاته الذي عناه أبو القاسم الشابي في قصيدته، والذي عناه جبران خليل جبران (1931-1883) في خاطرته التي حملت عنوان (البنفسجة الطموح)، والتي أوردها في كتابه (العواصف)، فالطموح في مرحلة أولى هو طموح إلى الحياة المكتملة الناجزة من الناحية الأخلاقية، وهو يتطلب تحرير الأحاسيس وربطها بالأخلاق كي لا تنحرف عن غائيتها المثالية Ideal teleology، وتتحول إلى الرداءة والانحطاط. www.tartoos.com وبالطبع فإن ذلك يترافق مع الانتقال من العدم بالمعنى الوجودي للكلمة إلى التحقق الوجودي الملموس، وهو التحقق المترافق مع حضور فاعل للوجود الفاعل والناشط مع الكائنات الحية الأخرى، ومع الظواهر الطبيعية والكائنات الطبيعية، وهو ما أشار إليه أبو القاسم الشابي والوجوديون أنفسهم في فلسفاتهم الوجودية. على أن الاندفاع باتجاه الحياة الدنيوية لا بد له أن يترافق مع نكوصات متعاقبة، لا تدل على النكوص الحقيقي بقدر ما تدل على الرغبة الحارة باتجاه التحقق اليقيني للاندفاع الختامي، الذي هو اندفاع باتجاه الحياة الأخروية الماورائية الأبدية: فأسرع الخطى نحو نخلة الصحراء وبتيار بارد روى في نهم لسانه وقرت عيناه شديدتا الالتهاب ورقد قرب حماره الوفي ومرت فوقه سنوات طويلة بمشيئة رب السماء والأرض وهكذا فإن عابر السبيل تواق إلى الانبعاث على المستويين الواقعي وما فوق الواقعي، وفق الرؤية الموصوفة، لكن طموحه الأقصى يجعله أكثر تعلقا وأكثر حنينا إلى الانبعاث الروحي الأبدي، والواضح أن قصيدة ألكسندر بوشكين تتحدث عن الانبعاث الروحي الأبدي، بأكثر مما تتحدث عن الانبعاث الواقعي، على أنه لا يمكن الفصل بين صورتي الانبعاث، والشاعر ذاته مؤمن بأن الانبعاث على المستوى الواقعي يستمد قانونيته ومشروعيته وإجبارية تحققه، من القانون الإلهي الماورائي، وهكذا فإن الحنين اللامتناهي إلى الحياة الدنيوية الخيرة يتطاول كي يتحول إلى صورته الماورائية، أي إلى الحنين اللامتناهي إلى الحياة الأخروية، كمكافأة على التحرير الأخلاقي الخير للأحاسيس في الحياة الدنيوية، وكتتويج وأسطرة لها. www.tartoos.com وبالفعل فإن عابر السبيل له أسطورته الشخصية، التي هي إيمانه اللامتناهي بالبعث الأخروي الماورائي، والارتياب البادي عليه غير مفصول عن الظاهرة الإيمانية، بل هو ارتياب دال عليها، ومؤكد حقيقة اندفاعها باتجاه بلوغها اكتمالها وغائيتها المثالية. وإن النوم الطويل ذاته دال على عمق الحنين اللامتناهي، الذي هو إيمان لامتناه Infinite Faith، وهو غير دال على النوم بالمعنى المألوف، بقدر ما هو دال على بذل المجهودات الروحية الذاتية التي تعني فيما تعني، العودة إلى مكنونات اللاوعي، عن طريق التوحد مع الحلم الطوباوي في مرحلة أولى، والوصول إلى لانهائية الحلم في مرحلة ثانية، وهنا يمكننا أن نستذكر الطروحات السيكولوجية التي عناها العالم النفساني كارل غوستاف يونغ (1875-1961) في مؤلفاته: ثم أتت للعابر ساعة الاستيقاظ فنهض وسمع صوتا غير مرئي أنمت عميقا في الصحراء من زمن؟ فيجيب ها هي ذي الشمس عالية كانت تسطع البارحة في سماء الصباح ونمت عميقا من الصباح حتى الصباح لكن الصوت قال آه يا عابر لقد نمت أطول انظر رقدت شابا ونهضت كهلا وقد فنيت النخلة أما البئر الباردة فقد نضبت وجفت في الصحراء القاحلة وحملته من زمن رمال السهول وابيضت عظام حمارك www.tartoos.com ودائما نجد التوازي بين الفكرة التي يعرضها الشاعر العربي أبو القاسم الشابي، بأسلوبه الرومانتيكي، وبين الفكرة التي يعرضها الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين، وبالطبع فإن تحقق الإيمان على نحو موضوعي، يعني تحقق الأسطورة الشخصية أو تحقق المعجزة أو البعث النهائي الختامي، المترافق مع الغبطة الأبدية المقدسة، ومع الانشراح والشباب المتفجر والقوة. ولن يكون بالإمكان التحدث هنا عن أي ارتياب أو نكوص، فالمعجزة تحققت والبعث الماورائي بعث أبدي، وهو ينتظر الطامحين، وهكذا فإن الطموح لدى أبي القاسم الشابي وألكسندر بوشكين وجبران خليل جبران هو الطموح الذي لا يمكن فصله كمفهوم عن الإيمان كمفهوم، فالطموح هو الإيمان ذاته، والبعث لا يقتصر على عابر السبيل وحده، بل على الكون بأكمله، وعلى كائناته وظواهره. ومما يمكن تبينه بوضوح أن حالة الاتحاد الصوفي بالله قد تحققت في النهاية، عندما ينطلق عابر السبيل مواصلا طريقه مع الله: واحتوى العجوز حزن خاطف وانتحب وهو ينكس رأسه المهتزة وآنذاك حدثت معجزة في الصحراء فقد بعث الغابر في حسن جديد ومن جديد تأرجحت النخلة برأسها الظليل ومن جديد سرت في البئر برودة وشبورة وانتصبت عظام الحمار المتداعية واكتسى الجسد وأصدر النهيق وأحس العابر بالقوة والبهجة وتألق في دمائه الشباب المتفجر وملأ صدره الانشراح المقدس وانطلق مواصلا طريقه مع الله www.tartoos.com والواقع أن عابر السبيل هو ذلك الرجل المؤمن والطامح على المستويين الدنيوي والماورائي، ودائما تطالعنا ظاهرة الطموح الذي هو إيمان بالحياة الأخلاقية الخيرة، المترافقة مع التحرير الخير للأحاسيس البشرية على النحو الذي تم توصيفه، فالحياة الأخلاقية الدنيوية معبر مؤد إلى الظفر بالحياة الأخروية الماورائية، والرجل الموصوف له أسطورته الشخصية Personal Myth، التي هي إيمانه اللامتناهي بإمكانية البعث الأبدي، الذي هو بعث له وبعث للحياة بكافة تمظهراتها، والحنين الذي نجده لدى عابر السبيل إلى الحياتين على المستويين الواقعي وما فوق الواقعي، نجده لدى أبي القاسم الشابي متمثلا في حنين البذور إلى تحقيق غايتها الوجودية، التي هي تحققها الوجودي ذاته، المترافق مع التغني بجمال الكون والطبيعة والكائنات: ويمشي الزمان فتنمو صروف وتذوي صروف وتحيا أخر وتصبح أحلامها يقظة موشحة بغموض السحر تسائل أين ضباب الصباح وسحر المساء وضوء القمر ظمئت إلى النور فوق الغصون ظمئت إلى الظل تحت الشجر ظمئت إلى النبع بين المروج يغني ويرقص فوق الزهر www.tartoos.com والواقع أن قصيدة أبي القاسم الشابي تكاد تكون قصة رمزية على غرار قصة الشاعر الروسي، فالأفكار الأساسية في القصتين متطابقتين، ولا شك أن الروح الرومانتيكية قادت الشابي إلى ابتكار قصيدته الرومانتيكية الغنائية البانورامية، على خلاف قصيدة الشاعر الروسي القصصية التي هي تأثر مباشر بالآية (259) في سورة البقرة: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت، قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك، ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له، قال أعلم أن الله على كل شيء قدير). وفي كل الأحوال فإن الشاعر الروسي يمتلك تكوينا شاعريا ناجزا على المستويين الواقعي وما فوق الواقعي، تماما كابي القاسم الشابي، الذي يتحدث عن خروج البذور من حيز الوجود بالقوة الكامنة إلى الوجود بالفعل، وهو ما يترافق مع قدوم الربيع الذي يترادف مع الشباب والحياة الوجودية الناجزة، التي تنطوي على أفراحها وملذاتها وأثمارها وأحلامها: وما هو إلا كخفق الجناح حتى نما شوقها وانتصر فصدعت الأرض من فوقها وأبصرت الكون عذب الصور وجاء الربيع بأنغامه وأحلامه وصباه العطر وقبلها قبلا في الشفاه تعيد الشباب الذي قد غبر وقال لها قد منحت الحياة وخلدت في نسلك المدخر www.tartoos.com وإن المقطع الأخير في قصيدة الشابي يتوازى مع فكرة الانبعاث على المستوى ما فوق الواقعي، وهو الانبعاث الأبدي الذي لا يزول، والذي هو مكافأة ما فوق واقعية على الانبعاث الواقعي الذي يتمظهر بالحياة الأخلاقية المزدهرة، وهنا نعثر على معنى لثنائية الإيمان والكفر، فالإيمان هو التحقق الوجودي الأخلاقي الكريم، والتوحد مع الظاهرة الكونية، والكفر هو الخمول والتبلد على المستويين السيكولوجي والأخلاقي. وفي كل الأحوال فإن ما يؤدي بالسيكولوجية البشرية إلى التحقق البناء إنما هو أخلاقيتها البناءة. والشاعر يتحدث عن الجمال العميق والسحر الغريب والساحر المقتدر، وهو يتحدث عن نشيد الحياة المقدس وعن الطموح بوصفه لهيب الحياة وروح الظفر، وهو ما يؤكد مرة ثانية، أن الطموح الذي يعنيه أبو القاسم الشابي هو إخراج الروح البشرية من حيز الوجود الكامن بالقوة إلى حيز الوجود الناجز بالفعل، وهو ما يترافق مع الحضور الحق للظاهرة الأخلاقية ومع الفاعلية والنشاطية. www.tartoos.com ومن ثم فإن مفاهيم الطموح والقداسة والإيمان تصبح على صلة وثيقة فيما بينها، فالطموح يعني الإيمان وينطوي على القداسة، والوصف الذي يقدمه الشاعر في ختام قصيدته، وصف متعال ومتسام، وهو يتجاوز الانبعاث الحياتي الدنيوي إلى انبعاث دائم وابدي: وشف الدجى عن جمال عميق يشب الخيال ويذكي الفكر ومد على الكون سحر غريب يصرفه ساحر مقتدر وضاءت شموع النجوم الوضاء وضاع البخور بخور الزهر ورفرف روح غريب الجمال بأجنحة من ضياء القمر ورن نشيد الحياة المقدس في هيكل حالم قد سحر وأعلن في الكون أن الطموح لهيب الحياة وروح الظفر إذا طمحت للحياة النفوس فلا بد أن يستجيب القدر www.tartoos.com وفكرة البعث الوجودي بالمعنى الفلسفي للكلمة فكرة يكررها الأدباء والشعراء في إبداعاتهم على نطاق واسع، ومن الأمثلة الشائعة قصيدة (خبز وحشيش وقمر) للشاعر العربي السوري نزار قباني، وهي القصيدة التي كتبها الشاعر من أجل شرق أفضل على حد تعبيره، لكنها قصيدة لا تخلو من نبرة انفعالية، وهي تهدف إلى التخلي عن حياة البلادة والكسل، والانطلاق في موكب الحياة بالمعنى الذي عناه الشابي، لكن القصيدة تكتفي بالتحدث عن ضرورة التخلي عن المعوقات التي تعترض الروح البشرية، وتمنع ارتقاءها ومعانقتها لأشواقها، وتعرقل مساعيها من أجل التقدم والمشاركة في بناء الصرح الحضاري العالمي. وبالطبع فإن تخطي حالة البلادة التي عناها الشاعر نزار قباني تؤدي إلى الانبعاث على المستوى الأخلاقي الواقعي في مرحلة أولى، وإلى الانبعاث على المستوى الماورائي في مرحلة ثانية، على ما هو وارد في قصيدتي الشابي وبوشكين. |