العودة الى صفحة أدب وفكر  
       
 
 
"هيزيود" الشاعر اليوناني القديم
/ د. غالب سمعان/ دمشق - سورية
 
اتصفت السيكولوجية الأخلاقية لدى الشاعر اليوناني القديم هيزيود (lived 8th century BC) بالاضطراب، والافتقار إلى التوازن، والثقة بقيمتها، التي أقرتها، وأعلنت إيمانها بها، ودعت الآخرين إلى تبنيها، والاعتراف بها، والتقيد بمسلتزماتها ومتطلباتها. ومما اتصفت به أراء الشاعر اليوناني في ميدان الأخلاق، ميلها القوي إلى الصرامة والتطرف، وهناك من يعتقد أنها كانت تفتقر إلى الرحمة والعطف. وهيزيود الذي يفرض على ذاته القيم الأخلاقية فرضا، ينطوي على الصرامة، ويود أن يفرضها بالصيغة ذاتها على الآخرين، وما في مقدوره أن يقدم ضوابطه الأخلاقية بطريقة أخرى. وعلى المستوى الذاتي، يبدو أن الأخلاقية قد أتت تماما على الدوافع السيكولوجية، وتحديدا على الرغبة الجنسية، وعلى عاطفة الحب، التي ترتبط بها ارتباطها العضوي، وما كان بالإمكان تمرير الحياة دون العودة إلى هذا النقص الكبير، عودة مترافقة بالرغبة العارمة، والعاطفة الجياشة، وهو ما أدى إلى علوق هيزيود في حبائل الغرام، في وقت متأخر من حياته، وما كان بإمكانه إخفاء عواطفه، التي بدت وكأنها نقض لقيمه الأخلاقية. وإن الدلائل لتدل على أن البيئة التي عاش فيها، كانت تؤمن بالقيم الأخلاقية ذاتها، وهيزيود ينتمي انتماءا قويا إلى البيئة التي تحوطته، وكان لها فضل إنجابه، وتخليقه بالميزات الأخلاقية المألوفة، والنتيجة التي ترتب عليه سلوكه هو حقد أخوة الفتاة عليه، وقتلهم له.
www.tartoos.com
وفي الأدب نستطيع العثور على حوادث مشابهة، ففي رواية (معراج الموت)، للكاتب العربي السوري ممدوح عزام، يقع عبد الكريم في غرام سلمى، التي تقع بدورها في غرامه، لكن انتماءهما إلى بيئة أخلاقية صارمة وجاهلة في آن، يؤدي إلى اعتقال سلمى، والقضاء على حياتها بطريقة إجرامية، وخالية من الرحمة والعطف، خلوا تاما. وفي سياق آخر، أراد الكاتب الألماني بيرتولت بريخت (1956-1898) Bertolt Brecht إعلان المبادىء الواقعية الاشتراكية بطريقة صارمة، وهو ما أدى إلى اصطدامه بعقبات كأداء، على المستوى السيكولوجي، الأخلاقي الذاتي، وإلى تشاؤمه، وآرائه العدمية Nihilistic، وافتقاره للحكمة، وللقدرة على ضبط النفس، والظاهرة ذاتها تواجدت لدى هيزيود، فالهوة التي تفصل الحلم عن الواقع، غير قابلة للردم، والرغبة الهادفة إلى ردمها، انفعالية وحالمة، وغير قابلة للتحقيق الواقعي. وفي بدايات حياته، اصطدم الشاعر العربي السوري نزار قباني (1998-1923) بالأخلاقية الصارمة، القادرة على تقييد الدوافع السيكولوجية الطبيعية، تقييدا حادا، مما أدى إلى ارتكاسه العنيف، الذي لازمه طوال حياته، وإلى تحوله إلى شاعر يهتم بقضايا العلاقات الغرامية، وقضايا المرأة، في الوقت الذي فرض على الأدباء عامة، الاهتمام بالقضايا الوطنية. على أن نزار قباني عاود الاهتمام بالشأن الوطني والسياسي، في فترة لاحقة، ومع ذلك فإنه لم يكن قادرا على نسيان الماضي، أو على تجاوزه، من الناحية الذاتية، أي أن إنتاجه الأدبي المتعلق بالجانب الغرامي العاطفي، ظل ارتكاسيا حتى النهاية، ومن المشكوك فيه أن يتمكن الأدب الارتكاسي من تحقيق غلبة حقيقة، على الأخلاقية الصارمة.
www.tartoos.com
وإن ما وصلنا من أدب الشاعر اليوناني هيزيود، يدل على أنه خير ممثل لتلك الأخلاقية، المكفهرة والمتجهمة، وما كان في مقدوره أن ينسى الظلم، الذي أوقعه أخوه بيرسيس Perses به، وهو الأخ الظالم الذي رشا القضاة، واغتصب حقوق أخيه، زورا وبهتانا، لكنه عندما احتاج المال أخيرا، عاد إلى أخيه هيزيود، فما كان منه إلا أن رفض إعانة أخيه بيرسيس، وطالبه بأن يعمل، وأن يكون عادلا. والهام في الأمر، أن هيزيود ذاته، ارتكاس على المستوى الذاتي، وما كان في مقدوره أن يتجاوز ذاته، ومعاناته، كي يتمكن من إبداع أدب، أكثر موضوعية، ومن الواضح أنه ينطوي على استعداد أخلاقي قبلي، وإن المحنة التي حاقت به، أدت إلى تدعيم استعداده الأخلاقي، ورفضه فكرة الانسياق وراء المتع الحياتية، وهو ما يؤكد حقيقة وجود حاجز يفصلها عن الصوفية Mysticism، الأكثر ميلا إلى التخفف من الصرامة الأخلاقية. وأكثر من هذا، فإن أخلاقية الفيلسوف اليوناني سقراط (399-469) Socrates ق. م. أقل صرامة بكثير من أخلاقية هيزيود، ومن المأثور عن فلاسفة الرومان الرواقيين: أبكتيتوس Epictetus، وسينيكا Seneca، وماركوس أوريليوس Marcus Aurelius، أنهم خففوا حدة التعاليم الرواقية Stoic القديمة، وأزالوا عنها الصرامة الموروثة. وبالطبع، فإن النماذج البشرية التي انساقت تماما، وراء ملذاتها، ومتعها الحياتية، كأبي نواس (813-762) وأوسكار وايلد (1900-1854) Oscar Wilde، هي أبعد ما يكون عن طبائع الشاعر اليوناني هيزيود، بالرغم من أنها تنطوي في قراراتها، على الميل الصوفي الأخلاقي، وعلى الميل الزهدي Ascetic أيضا.www.tartoos.com
 
وبالإضافة إلى ما سلف، فإن الصرامة الأخلاقية لدى هيزيود، أدت إلى تشاؤمه المرير، وإلى اعتقاده بأن الحياة البشرية انحدرت وتهاوت، عبر عدة عصور، ابتدأت بالذهبي، فالفضي، فالبرونزي، فالحديدي، إلى أن انتهت بالأسوأ تماما، وهذا الأسوأ سائر باتجاه الأسوأ، وما من مهرب أمام الكائن البشري، وعليه أن يتوقع النوائب والكوارث الآتية، وهذه التصورات تدل على أن الأخلاقية اتجاه إرادي، غير قابل للانزياح، وغير قابل للتعديل، وهيزيود يفتقر إلى المرونة، وهو غير قادر على تعديل مساره الإرادي الأخلاقي، أو على حرفه، أو على الارتقاء فوقه، والنظر إليه بموضوعية، والظاهرة ذاتها، نجدها لدى الشاعر الإيطالي دانتي أليجييري (1321-1265) Dante Alighieri، الذي اتصف بأخلاقية صارمة. والإشكالية التي تطرح نفسها هنا، إشكالية تتعلق بالإبداع والعبقرية، وهما يتطلبان وجود طاقة أصيلة على التعامل المرن، مع القضايا البشرية المطروحة، وما من وجود هنا لغير الصرامة والتزمت، وإن الاعتقاد بحتمية انهيار الأخلاق، وانحطاطها، أدى إلى زيادة تشاؤم هيزيود، وبؤسه، ودعوته إلى العودة إلى الأخلاقية الفاضلة، تظل دعوة عارضة، وما لديه مشروع أخلاقي بناء، وهادف إلى تهذيب الأخلاق، كالفيلسوف ابن مسكويه (1030-945)، الذي يمكن النظر إليه، لهذا السبب، لا لغيره، على أنه أكثر تفاؤلا من الشاعر اليوناني هيزيود. وفي كل الأحوال، نجد هؤلاء الأدباء، يتحدثون عن الظلم، الذي حاق بهم، ودائما نجدهم عاجزين عن الارتقاء فوق ذواتهم، من أجل التعامل مع القضايا المطروحة، تعاملا أكثر موضوعية، فالتعامل الذاتي يعني أن الارتكاس السيكولوجي ما زال فاعلا، والنتائج المرجوة لن تتحقق عبر منهاج سيكولوجي أخلاقي ذاتي.
www.tartoos.com
ومن المتوقع أن تتصف نداءات الشاهر اليوناني هيزيود، بالكآبة والحزن، وهو يتوقع أن تكون الأحزان القادمة أشد وقعا، على البشر، وأثقل وطأة، وكل ما في الحياة يتحول إلى عقاب، وتكفير عن الخطايا، التي يرتكبها البشر، والتجلي الأكبر للأخلاقية الصارمة، هو حياة العمل القاسية، التي تتجاوز الحدود المألوفة، لتتحول إلى الكد الدائم، وهيزيود يؤكد ضرورة العمل والكد، وما من منفذ باق أمام السيكولوجية الأخلاقية الصارمة، غير هذا المنفذ، وكمثله فإن الشاعر الروماني الأخلاقي فيرجيل (19-70) Virgil ق. م. يربط ربطا قويا، غير قابل للانفصام، بين العمل الشاق والأخلاقية، مما يدل على أن الأخلاقية ذاتها، تحولت إلى غريزة فاعلة، ولن يكون أمام العقل، إلا أن يتقيد بالأخلاقية، تقيدا تاما، فالعقل أخلاقي لدى الشاعرين اليوناني والروماني، وليس له أن ينفصل عن الأخلاقية، التي ينبغي لها، وفقهما، أن تتحول إلى أوليغاركية Oligarchy فاعلة، داخل الذات البشرية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن فيرجيل الأخلاقي، أقل صرامة بكثير من هيزيود، وأشعاره القادرة على إضفاء النشاطية والفاعلية، على الطبيعة، وكائناتها، تجعله أقرب إلى الطبيعة الرومانتيكية، لدى شعراء، كأبي القاسم الشابي (1934-1909)، وإلى الطبيعة الأخلاقية، القادرة على التمتع بالحياة، والانطواء على المرح، لدى شعراء أخلاقيين، كأحمد شوقي (1932-1868)، وما كان أرسطو (322-384) Aristotle ق. م. قادرا على تقبل الأخلاقية الصارمة لدى هيزيود، وعلى تقبل الروح الوعظية التعليمية، الطاغية عليه، مما اضطره إلى رفض الشعر التعليمي، بوصفه شعرا.
www.tartoos.com
والدعوة الأخلاقية الصارمة إلى العمل الشاق، والكد اليومي الدائم، لن يكون لها أن تتحول إلى منهاج حياتي، ومن المتوقع أن تنقلب على ذاتها، وتتهافت، وتتحول إلى شعور باليأس، وميل إلى التراخي والتشاؤم والخمول، وكانت هذه الظاهرة قد شغلت الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة (1900-1844) Friedrich Nietzsche، إلى حد كبير، في خاطرته التي حملت عنوان (العراف)، وما كان في مقدوره أن يبشر بالجزر السعيدة، ووجودها الحقيقي، لو لم يتمكن من تفعيل إرادته، ومن تجاوز الحزن البشري الأصم، والتخلص من الاعتقاد القائل بأن كل شيء باطل، ومتشابه، وقيد الزوال. وفريدريك نيتشة يتعامل بعبقرية، مع هذه الظاهرة، فالداعية "زرادشت" يأمل في أن يتجاوز المأزق، الذي أوقعه فيه العراف، وهو يكتئب تماما، ويتوقف عن تناول الطعام والشراب، وينام ثلاثة أيام، ويحلم حلما، دالا على تعاليه الذاتي، وانتصاره على الرؤية القاتمة، التي يمثلها العراف، وتجاوزه الذاتي، للحال البشرية المأزومة. وفي خاطرته الأخرى، التي حملت عنوان (استنجاد)، يبدو "زرادشت" أكثر ثقة بمقدراته، وأكثر قدرة على التحاور مع العراف، دون أن ينزلق إلى التشاؤم والكآبة والحزن، وهنا يمكن للمرء أن يعثر على تفاؤل حقيقي، لدى الفيلسوف الألماني، بالرغم مما يقال عن ميله التشاؤمي.
 
ومن منظور سيكولوجي، يمكن النظر إلى طائفة من الأشياء، في قصيدة هيزيود (الأعمال والأيام Works and Days)، باعتبارها مما ينتمي إلى الآليات التعويضية السيكولوجية، فالشاعر اليوناني يهتم بالثراء، لكنه يطالب بأن يكون الإثراء شريفا، وهو يعتقد أن الثراء ضروري، من أجل نيل الشهرة، والمجد الدنيوي، وهو حريص على هذه المكاسب الدنيوية. وفيما يتعلق بالمتع الحياتية، يروي في قصيدته التعليمية، حكاية وليمة، في مكان وارف الظلال، وفي حر الصيف، وقرب الينبوع، وما يرافق هذا من متعة حقيقية، تتعلق بالطعام والشراب. أما ما يتعلق بالمرأة، فإن نظرات هيزيود، كانت سلبية تماما، وهو يعتبر المرأة أصل الشر، ويحذر من الوقوع في شراك الإغراء، وهذا الموقف متوقع، من شاعر ينطوي على سيكولوجياه الأخلاقية، ودائما يكون الموقف من المرأة مماثلا، عندما تكون السيكولوجية أخلاقية بامتياز، فالفيلسوف الصيني كونفوشيوس (479-551) Confucius ق. م. يتحدث بطريقة مشابهة، وهو الداعية الأخلاقية، الذي حاول تطبيق المبادىء الأخلاقية، في الولايات الصينية، فما كان من حكام الولايات الأخرى، إلا أن اعتمدوا على النساء، وما يمتلكن من طاقة على الإغراء، في استمالة حكام الولايات، التي تم تطبيق المبادىء الكونفوشية فيها، وبالفعل تمكنت النسوة من إسقاط الأنظمة الأخلاقية، التي تم لها أن تتحقق. ولا يمكن الفصل بين السيكولوجية الأخلاقية، وبين ظاهرة الإغراء، وهنا يمكن أن يستذكر المرء ما أورده أبو الطيب المتنبي (965-915) في أشعاره، من مجانبة للهو والتمتع، والانسياق وراء مفاتن المرأة، وإغراءاتها، وهو الأمر الدال على أنه يمثل، ما هو أكثر من السيكولوجية الأخلاقية الموصوفة.
www.tartoos.com
وفي السياق المتعلق بالمتع الحياتية، تتضح طائفة من الفروقات، بالمقارنة مع الفكر الذي أقره الفيلسوف اليوناني أبيقورس (270-341) Epicurus ق. م. وتلميذه الشاعر الروماني لوكريتيوس (55-98) Lucretius ق. م. الذي أقر تعاليم أستاذه، إقرارا ينطوي على التبجيل والتوقير، والواقع أن أبيقورس ولوكريتيوس يمثلان السيكولوجية الأخلاقية، على طريقتهما، بالرغم من اقرارهما للمتعة، بوصفها الهدف الأسمى للحياة، وعلى خلاف هيزيود، فإنهما لا يهتمان بالمكاسب الدنيوية، وينظرانها بوصفها رغبات غير طبيعية وغير ضرورية، مما يؤكد حقيقة كونها آلية تعويضية، لدى هيزيود، ويبدو أن الآليات التعويضية لدى أبيقورس ولوكريتيوس، قد اكتفت بالملذات الحياتية، وكهيزيود فإنهما يفضلان الاستمتاع بالطعام والشراب، في أحضان الطبيعة، وبرفقة الأصدقاء الودعاء، وعلى خلاف هيزيود، فإنهما يعتبران الحال الأولية، التي كان عليها الكائن البشري، بدائية ومتوحشة، وأن المدنية والحضارة توفر فرصة أروع للتمتع بالحياة، أي أن العصر الأخير، الذي ينفر منه هيزيود، نفوره التام، هو العصر الأروع، وفق أبيقورس ولوكريتيوس، وفيه ستكون الفرصة متاحة للتمتع بالحياة، وبكل ما فيها من مباهج وأطايب ومسرات.
 
وثمة خلاف آخر، يتجلى في أنهما تنكرا للتفكير الماورائي الأخلاقي، ولم يعترفا بغير التفكير العلمي، وهنا تبرز إشكالية حقيقية، فأنماط التفكير لدى هيزيود، تتضمن نمطي التفكير الأسطوري الماورائي والخرافي، والأخلاقية، التي يتصف بها، تؤهله كي يكون قادرا على التفكير العلمي، وقصيدته تحتوي بالإضافة إلى المبادىء الأخلاقية، على معارف زراعية، وقائمة بالأيام المشؤومة، والأيام السعيدة، لكن التفكير العلمي لديه، يتصف باعتماده على الملاحظة الحسية، وحدها تقريبا، والأهم من هذا، اعتقاده بطائفة من الخرافات، وبأيام السعد والنحس، وفي تراثنا الأدبي، تعرفنا إلى العلاقة، التي ربطت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد (569-543)، بالملك عمرو بن هند، وهو الملك الذي كان يعتقد بأيام السعد والنحس، وما تلا ذلك من صدام مع الشاعر، الذي لم يتوان عن هجاء الملك، ووزيره قابوس، مما أدى إلى مقتله، في بدايات حياته. ولا يمكن الفصل بين أنماط التفكير المختلفة، لدى الشاعر اليوناني هيزيود، فالتفكير الأخلاقي، على صلة وثيقة بالتفكير الأسطوري الماورائي، وبالتفكير الخرافي، والظاهرة ذاتها، نجدها لدى أدباء أخلاقيين، كجبران خليل جبران (1931-1883)، وميخائيل نعيمة (1988-1889)، وحتى عندما تنهار السيكولوجية الأخلاقية، بوصفها طائفة من الفضائل، فإن أنماط التفكير المذكورة، تظل على حالها، وهو ما نجده في مسرحية (ماكبث)، للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير (1616-1564) William Shakespeare، فالبطل ماكبث، سيكولوجية أخلاقية متهاوية، وتأملاته الأخلاقية، غير مفصولة عن تفكيره الأسطوري الماورائي.www.tartoos.com
على أن الهاجس الذي شغل الشاعر اليوناني هيزيود، طوال حياته، هو هاجس العدالة Justice، فالظلم الذي ألحقه به أخوه بيرسيس، أدى إلى استقطابه بفكرة العدالة، وهو يطالب الأمراء بأن يكونوا عادلين، ويؤكد أن العدالة ضرورية من أجل ازدهار الحياة العامة، وأن التنافس لا ينبغي أن يوجد من أجل النيل من العدالة، بل من أجل إظهار الإمكانيات البشرية، التي تنتمي إلى الإبداع، والواقع أن ظاهرة الإبداع، في هذه الحال، تكون مؤطرة بالأخلاقية، والذي يمكن تبينه بوضوح، هو الرؤية الأخلاقية الرافضة للرؤية السفسطائية Sophistic، التي تحاول إقرار الدوافع السيكولوجية، والمعلوم أن الفيلسوف اليوناني سقراط قد تصدى للرؤية السفسطائية، إلا أن منهجه الفكري كمنهج هيزيود، يظل بالرغم من كل شيء، سفسطائيا، وسقراط الذي يرفض رد الاعتداء باعتداء مماثل، يدعو إلى الإسراف في رد الاعتداء، بطريقة غير مباشرة، ويبدو أن هيزيود يفترق عن سقراط في هذا الموضع بالذات، إذ أنه يدعو، صراحة، إلى الإسراف في رد الاعتداء، لكن الأمر غير عائد إلى سقراط أو إلى هيزيود، بل إلى السيكولوجية الأخلاقية، التي يمثلانها، وهذه السيكولوجية، لدى اصطدامها بالأشرار وشرورهم، تدعو على لسان سقراط، إلى الامتناع عن رد الاعتداء، وعلى لسان هيزيود، إلى الإسراف في رد الاعتداء، وتناقضها ظاهري، فمن يقرر عدم رد الاعتداء، ليس له إلا أن يقرر الإسراف في رد الاعتداء، إذا اقتضت الضرورة ذلك.