العودة الى صفحة أدب وفكر  
       
 
جبران خليل جبران والهيئة الاجتماعية
د. غالب سمعان
دمشق - سورية

إن محاولة الحفر والتنقيب في الجبرانيات، تدعوني بادىء ذي بدء، إلى ضرورة التأكيد الحازم على أن هذه الجبرانيات، صرح مشيد من الأفكار والتصورات الوجدانية، وأن المشيد لذلك الصرح الأثيري – المثالي، هو الفنان الحالم جبران خليل جبران ذاته، لكن التشييد المذكور، لا يعني أن الصرح متموضع في مكان محدد جغرافيا، ولا يعني كونه قبلة يرتادها هواة السياحة، كي يتبصروا في آياته، تبصرا فظا لا عمق فيه ولا سبر واغتراف. ومن ناحية أخرى، ليس الصرح صرحا من النظريات والأهداف المتكاملة، التي تشكل قوام برنامج سياسي واجتماعي، ولا مجموعة نظامية من المفاهيم، في موضوع الحياة أو الثقافة البشرية، بل هو طريقة التفكير المميزة لجبران خليل جبران ومحتواها: أعني أن عقيدة جبران في البداية وفي النهاية، هي عقيدته وحده.

إن الجبرانيات والحق يقال، صرح مشيد بطريقة حالمة، وغير عملية، وهو يتبدد كما يتبدد الدخان، ويتبعثر وينهمر أشلاء غير مرئية: لقد نظر جبران خليل جبران أول ما نظر، إلى جوهر الظواهر والوقائع الاجتماعية وصفاتها، فلم ير شيئا مما رآه الآخرون، بل رأى شيئا، لم يره أحد غيره قط، رأى لاشيئا، وأعلن أن هذا أللاشيء، هو الواقعي والحقيقي واليقيني: إن الظواهر والوقائع الاجتماعية، التي تحتوي حاويتها شريعة الزواج وسلطة الوالدين، وكلا من السلطتين الزمنية والدينية، ترد في جوهرها، لدى كثير من كبار المفكرين، إلى معان ميتافيزيقية خارقة للطبيعة، وهكذا يتبدى التفكير التجريدي في أسبابها المطلقة، تبديا مبررا كل التبرير، ويتبدى جبران خليل جبران، محلقا في هذه الأجواء الغيبية، التي تختزن خزائنها مجموعة المبادئ، التي يقوم عليها موضوع الظواهر والوقائع الاجتماعية، أما نحن فنتبدى قاصرين وعاجزين، لا حول لنا ولا قوة، ونتبدى مطرودين طردا لا راد له، من تلك الفراديس التي تكثر فيها الكروم.
www.tartoos.com

إن الفيلسوف الفرنسي أوغوست كونت
Auguste Comte تنكر للفلسفتين اللاهوتية والميتافيزيقية، تنكرا لا هوادة فيه، وصب جام غضبه على كل منهما، ورأى دون أدنى تحير أو تردد، أنهما باطلتان ولاغيتان، مما حداه إلى تأسيس الفلسفة الوضعية Positivism وجعل الظواهر والوقائع الاجتماعية، موضوع علم جديد هو علم الاجتماع، أما النتيجة التي ترتبت على زج النزعة العلمية – العقلية، في هذا الميدان دون غيرها، فقد تمثلت في إضفاء اليقينية على وقائعه وحقائقه، هذه اليقينية التي لا يعتريها الشك، ولا تقبل الجدل. وهكذا بدت الهيئة الاجتماعية مبنية على وجود نظام أو ناموس وضعي، ينتظم العلاقات الاجتماعية والسلطات القانونية، لكن ومن ناحية أخرى، هناك النظام أو الناموس الطبيعي Natural  المبني على الرغبات والحوافز والغرائز الطبيعية، أي مجموع القوى الباطنية في الإنسان، التي تحدد جوهره وصفاته، والمزاج العام الذي ينتظمه، أي استعداداته الجسمية والعقلية العامة، وكذلك سجاياه، أي طبائعه وخلقه، والحياة وفق هذا الناموس الطبيعي، هي حياة الفطرة الأولى، التي تتصف بالبراءة والطهارة والبساطة، وتجهل اتصافها بهذه الصفات، وهي الحياة التي يفتقدها كل إنسان، والتي عبر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau عن حنينه وتوقه إليها، في عقده الاجتماعي: إن آدم وحواء قبل سقوطهما، تريضا متنعمين في رياض تلك الحياة، إلا أن أعينهما انفتحت بعد سقوطهما، وعلما أنهما عريانان، وصارا عارفين الخير والشر، وافتقدا براءتهما وطهارتهما وبساطتهما.
www.tartoos.com

لكن الآن إذا عدنا إلى مواقف جبران خليل جبران من الهيئة الاجتماعية، فسنجد تلك المواقف وقد تردت بأغرب الأردية، وسنجد أنفسنا وقد اتخذت لها مكانا، في جوار إنسان، لا يرى الإنسان ذا وجود حقيقي وواقعي، بل يراه شبحا لا غير. إن جبران خليل جبران يتنكر للناموس الوضعي، وينقض كل المشروبات المعبأة في كؤوسه، حتى أن أوغوست كونت وعلم الاجتماع كله، لا يمكن تمييزه في شيء، عن الجمادات كالطاولة والكرسي والهراوة، والأدهى من ذلك، هو أن جبران خليل جبران يتنكر للناموس الطبيعي، إنه يتنكر لآدم وحواء قبل سقوطهما، ومعرفتهما الخير والشر، وهو يتنكر لله الحقيقي، العارف بالخير والشر، وفوق هذا كله، نراه بأم أعيننا، يتنكر لإنسانية الإنسان، فلا قوى باطنية تحكمه، ولا صواب في إقرار وجود طبائع لديه، أو أخلاق أو حوافز وغرائز: إن علم النفس والطب النفسي لا وجود لهما، بل الموجود هو الأشباح، وفقط الأشباح، وما ارتداد جان جاك روسو إلى حياة الفطرة الأولى، التي كانت لآدم وحواء قبل سقوطهما، غير ارتداد منقوص، يستعذب التوقف في منتصف الطريق، ظانا أنه في ختامه، ويستنشق الحرية الكاملة ملء رئتيه، متخذا له ولها من الخنادق المحفورة هناك ملجأ، ومن المتاريس دروعا واقيات، أما الحقيقة الجبرانية فواقعة في ختام الطريق، وليس في منتصفه، ووفق هذه الحقيقة، تبدو حياة الفطرة الأولى مكبلة بالرغبات والحوافز والغرائز الطبيعية للإنسان، وتبدو على الرغم من براءتها وطهارتها وبساطتها، قفصا لا يزال مقتنصا الحرية، وهاضما كل معانيها: إن الحقيقة الجبرانية هي حقيقة آدم وحواء، وقد غلفتهما المحبة الماورائية، وحولتهما إلى محبة ماورائية، إلى حرية.
www.tartoos.com