مقاييس الجمال
إن كنت تعتقدين أن الجاذبية هي مجرد مسألة ذوق شخصي وخلفية ثقافية ،
عليك إعادة النظر في الموضوع . فقد تأكد لباحثي البيولوجيا النفسية أن
من يراك جميلة وجذابة يملي عليه هذا الرأي حاجته الارتقائية المطبوعة
عميقاً في دماغه . www.tartoos.com
لكل نظرته الخاصة إلى الجمال ، ولكن هل ينجح العلم في تطبيق المعايير
العلمية وإيجاد مقاييس للجاذبية والجمال ؟ كم أنت جذابة ! هذاما تحكم
به عليك عيون الآخرين .
هذا الاختبار يأتي ضمن دراسة يقوم بها البروفسور جونسون لمعرفة لماذا
يجد الناس بعض الوجوه جذابة جداً ويعتبرون أخرى قبيحة . لم يصل بعد إلى
الأجوبة الشافية ، لكنه بالطبع ليس وحده في هذا المجال ، مجال محاولة
تطبيق المعايير العلمية على هذا الموضوع الشائك . فالباحثون حول العالم
يقحمون أنفسهم في حقل الجمال الذي اقتصر في السابق خوض معالمه على
الشعراء والرسامين ومصمّمي الأزياء والموضة ، والهدف كشف النقاب عن
أسرار جاذبية الإنسان , وقد جاءت النتائج ، على رغم تواضعها ، مثيرة
للدهشة . إذ أشارت دراسات متعددة إلى أن الجمال عند البشر ليس بكل
بساطة ما يلاحظ في أعين الناظرين أو مجرد واقع ثقافي مطلق . فقد يكون
ناجماً عن نمط سلوكي عالمي قديم العهد وصلب تأثر في مقاييسه بالألم
والجوع وسلم الارتقاء الطبيعي الذي يكافىء المنتصرين والأكفاء
القاديرين على التناسل والتكاثر ويقضي على الخاسرين . لو لم يكن الجمال
حقيقة لكان يمكن تعريفه بالصحة والخصوبة ، فتناسق السمات والبشرة
الصحية تدير الرؤوس لأنها تقنعنا في أعماق لا وعينا أن صاحبها أو
صاحبتها متعافى وخال من الأمراض ، ويشكل بالتالي شريكاً جيداً ، أما
الأذواق الشخصية فيرى الباحثون أن عوامل تأثيرها ضئيلة جداً , وبينما
كان الشعراء القدماء يتغنون بالجمال ويصفونه وفقاً لما يؤججه فيهم من
عواطف ، استطاع أحدهم منذ 400 سنة ، وهو الشاعر البريطاني إدموند سبنسر
، أن يطلق فرضية علمية لتحديد الجمال حين قال : " الجمال هو الطعم الذي
يعزي الإنسان وينشيه لإكثار نسله " .
www.tartoos.com
وتتراوح نتائج الأبحاث على الجمال لتغطي مجالات واسعة ، بدءاً من
النماذج العلمية التي تؤمن لجراحي التجميل روافد ومعايير جمالية ،
انتهاءً بالحقول السياسية والفلسفية . وقد أظهرت الدراسات أن الذكور
والإناث اللواتي يتمتعون بجاذبية أكبر لا يقتصر تأثيرهم على لفت انتباه
الجنس الآخر فحسب ، بل ينالون أيضاً عطفاً أكبر من الأمهات ، ويكسبون
المزيد من المال في العمل ، وعدد اكبر من الأصوات في الانتخابات ،
ورحمة أكبر من القضاء . وهم عموماً يعتبرون أكثر لطفاً وكفاءة وصحة
وذكاء وموضع ثقة ، أكثر بكثير من أترابهم ذوي الأنف الضخم أو السمات
غير المنسسجمة .
www.tartoos.com
مازالت الأبحاث حول الجاذبية في بدايتها نسبياً وهي بالتأكيد حقل خصب
للنقاش والجدل ، كمثل اعتبار البعض الوجه الأنثوي أكثر جاذبية .
لكن الخطوط العريضة لهذه الأبحاث تجمع على ضرورة فهم مصادر الجمال إن
كنا نريد أن نتوصل إلى كشف تأثير المظهر على أنماطنا السلوكية .
وبحسب
عالمة النفس نانسي إيتوف ، صاحبة كتاب " بقاء الأجمل "
Survival
of the prettiest
فإنه
" علينا فهم الجمال وإلا سنكون دائماً عبيداً له " .
الجمال هو الاعتدال
www.tartoos.com
شهدت الدراسات حول الجاذبية والجمال دفعاً جديداً خلال العقدين
الماضيين ، وكانت بداية حقبة جديدة مع سؤال غير متوقع طرح على طالبة
علم النفس جوديت لانغلواز ، عندما كانت تقدم اطروحة الدكتوراه في جامعة
ولاية لويزيانا حول إنشاء الصداقات والحفاظ عليها بين الأطفال قبل دخول
المدرسة . وعندما طرح عليها أحد أعضاء اللجنة الفاحصة : هل أخذت عامل
الجاذبية في الاعتبار في خلاصتك ؟ كان ردها : " اعتقدت أن هذا العامل
قد يؤثر في علاقات طلاب المعاهد وليس الأطفال الصغار " . لكنها وبعد أن
نجحت قررت التعمق في هذا الموضوع ومعرفة العمر الذي يستطيع يه الإنسان
البدء بإدراك واستيعاب الجاذبية الجسدية ، لذا قامت بعد أن انضمّت إلى
جامعة تكساس بسلسلة من الاختبارات ، عرضت في احدها لأطفال بعمر الستة
أشهر مجموعة من الوجوه التي تتراوح من الجذابة إلى القبيحة ، وكانت
النتيجة واضحة وضوح الشمس . فقد توقف الأطفال مطولاً لتأمل الوجوه
الجذابة , بغض النظر عن جنس الوجه المعروض أو عرقه أو عمره ، وجاءت
النتائج مماثلة تماماً عندما كررت هذا الاختبار على مواليد لا يتجاوز
عمرهم الشهرين . وقادها بحثها حول مصدر الاستيعاب المبكر للأطفال
للجاذبية لأبحاث قديمة تعود للقرن التاسع عشر ، وقد قادها العالم
الإنكيزي السير فرنسيس غالتون . فقد حاول غالتون في العام 1870 تكوين
وجوه مركبة من خلال مزج صور لطبقات اجتماعية فقيرة بهدف الإثبات أن لكل
مجموعة طراز مبدئي . غير أنه صدم عندما اكتشف ان الوجوه المعدلة التي
نجمت عن خلط أوجه المجرمين لا تقلّ شبهاً عن وجوه ... وحتى أنها تبدو
أفضل . وأعادت الطالبة لانغلواز الدراسة مستخدمة هذه المرة المزج
بواسطة الكمبيوتر ، ونالت الصور المعدلة التي حصلت عليها الامتياز على
أنها أكثر الوجوه جاذبية من قبل 300 شخص تم استفتاؤهم .
www.tartoos.com
" قد يكون حب الاعتدال وإدراكه أمراً فطرياً في الإنسان ، هذا ما خلصت
إليه لانغلواز عندما لاحظت أنه حتى الأطفال الصغار قد يكونون كوَّنوا
من خلال مقارنتهم للوجوه التي رأوها .
إن تفضيل بعض الأعراق على غيرها يدعم هذه النظرية ، كما يؤكد بعض
العلماء الذين يلاحظون أن التاريخ يقدم أمثلة دامغة على ذلك .
فعندما كان يلتقي اشخاص من عرقين مختلفين لأول مرة كانوا ينظرون إلى
بعضهم البعض باشمئزاز , فعندما زار وفد ياباني الولايات المتحدة
الأميركية لأول مرة في العام 1860 وصف عيون النساء الأميركيات " بعيون
الكلاب النافرة " ، وكذلك الأمر مرة ، إذا اعتقدوا أن المعتقدات
الدينية هي السبب في جعل عيون اليابانيين صغيرة وناعسة . والسبب في
هذين المثالين طبعاً كان في البداية عدم التآلف مع العرق الآخر ، وهو
أمر نابع من المثال النموذجي الداخلي لكل عرق . ولكن كيف تطور حب
الاعتدال ولماذا ؟
في هذا الصدد تظهر البيولوجيا الارتقائية أن السمات المبالغ بها أو
المتطرفة في أية مجموعة سكانية تميل إلى الزوال والاضمحلال لصالح
السمات المعتدلة ، وهذه الظاهرة واضحة .
www.tartoos.com
ففرص الحياة عند الأطفال الذين يولدون أكبر حجماً أو أصغر حجماً هي أقل
منها عند أترابهم ، والأمر ينسحب ايضاً على عالم الحيوان حيث تقضي
الطيور ذات الأجنحة الكبيرة جداً أو الصغيرة جداً في العواصف .
www.tartoos.com
يطلق
على هذا الاتجاه نحو الاعتدال التعريف الأجنبي كونوفيليا
Koinophilia
، وهي كلمة يونانية
مركبة تعني حب "
Philos "
المألوف
"
Konios "
لكن
هذا الميل ليس وحده معيار الجمال الذي تحّتمه العملية الارتقائية في
مسارها الطويل ، فهناك أيضاً عامل آخر هو التناسق الذي يشير غيابه ،
بحسب العلماء ، إلى سوء التغذية أو المرض أو الجينات السيئة . وقد بينت
الأبحاث أن نسل الحيوانات التي لا تتمتع بالتناسق هو اقل من غيرها أو
لا يعمر طويلاً ، بدءاً من طائر السنونو إلى الأسود .
www.tartoos.com
ومن المعايير التي فرضها أيضاً السلّم الارتقائي وجود عمر معين تكون
الجاذبية فيه في ذروتها ، وهو عند المرأة عمر العشرينات حيث تكون في
أوج خصوبتها الجنسية . أما ذروة الجاذبية عند الرجل فتبقى نسبياً أعلى
رغم تقدّمه في العمر ، وذلك لأنه يتمتع بالخصوبة لمدة أطول بكثير من
المرأة .
هذه العوامل والاتجاه نحو اختيار الاعتدال لا تعني أن التمييز لا يجد
له مكاناً في جذب الآخرين . فذكر الطاووس يتباهى بذنبه المميز عندما
يدعو شريكته إلى اللقاء ، وهذا التميز يعوض عن انخفاض طول العمر أو
الذرية القليلة العدد التي تسمى الكائنات المميزة .
www.tartoos.com
لا بد من الإشارة إلى أن كل الوجوه والسمات تتبدّل مع سن البلوغ .
فإنتاج التستوستيرون عند الذكور يطيل شكل الفك السفلي ، في حين يجعل
هورمون الأستروجين عند النساء أوراكهن وصدورهن وشفاههن أكثر امتلاء .
وعلى غرار الطاووس ، فإن الفك الضيق عند الرجل قد لا يكون مؤاتياً في
نظامه الصحي لكنه يبدو أحياناً جذاباً لأنه يشكل كل الفرق .
في
إحصاءات نشرتها مجلة
Psychophysiology
في
العام الماضي تبين أن كلاّ من الرجال والنساء يفضلون الوجه الأكثر
أنوثة ، لكن اختيار النساء للوجه الجذاب من الرجال يتأرجح بحسب دورتهن
الشهرية وبسبب عوامل اجتماعية معقدة . ففي مرحلة الخصوبة والإباضة تميل
المرأة إلى تفضيل الرجل ذي السمات الذكورية الواضحة ، بينما تفضل في
مرحلة الطمث الوجه الأكثر أنوثة . وفي كل الأحوال ، مهما بلغت درجة ميل
النساء إلى السمات الذكورية يبقى تفضيلها للوجه الذي يتمتع بالأنوثة
كبيراً يتجاوز 8 في المئة من المعدل الذكوري .
www.tartoos.com
ويشير الباحثون أيضاً ، من خلال النتائج التي توصلوا إليها في دراساتهم
، إلى أن الفئة الاقتصادية والانتماء الثقافي للرجال تؤثر بشكل عميق في
اختيارهم .
فقد فضل عدد كبير جداً من النساء اللواتي عرضت عليهن صور رجال متفاوتة
الجاذبية من القباحة إلى الجمال ، مع شرح مفصّل عن حالتهم المادية
والاجتماعية والوجوه التي يجني أصحابها الكثير من المال أو الأطباء
والمهندسين .
www.tartoos.com
وباختصار ، بالإمكان القول إن الجمال البشري يرتكز على ثلاثة مقومات
أساسية ، وهي بحسب أهميتها : الانتقاء الطبيعي الذي يؤدي إلى تفضيل
الوجه المعتدل في عمر معين ، والانتقاء الجنسي الذي يحمل الذكور على
تفضيل السمات المفرطة الأنوثة كالفك الضيق والشفاه الممتلئة ، وأخيراً
العامل الثقافي الذي يشكل الخلفية التي تسمح لنا بالتأقلم مع محيطنا
وبيئنا ، كأن نقول إنها امرأة جميلة جداً وجذابة ولكنها ليست من النوع
الذي يناسبني .
www.tartoos.com
|
|